المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠٨
و إذا رأيت المرء يشعب أمره
شعب العصا و يلح في العصيان
فاعمد لما تعلو، فما لك بالذي
لا تستطيع من الامور يدان
و قد قيل في تأويل هذه الآية: لما خلقت بنعمتي أو [١] لنعمتي، لأنّ حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، و إحدى النعمتين هي النعمة على آدم عليه السلام، و الاخرى على ذريّته.
و أمّا قوله: «وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ»، فالمراد بالوجه الذات، كما يقال: هذا وجه الرّأي [٢]. و وجه الأمر، أي نفسه. و لو كان المراد بالوجه الجارحة المخصوصة، لكان يجب أن يدلّ قوله تبارك و تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» [٣]، أن يهلك ذاته و لا يبقى إلّا وجهه، و هذا محال.
فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ»؟ [٤].
قلنا: لا شك في أنّ هذا مجاز، و ذلك أنّه أضاف الصعود إلى الكلام، و هو محال، فلا شك في كونه مجازا. فكما أنّ هذا مجاز، كذلك جعله تعالى نفسه غاية الصّعود مجاز. و إنّما أضاف جهة الصعود و العلو إلى نفسه على طريق التجوّز من حيث إنّ لجهة العلو الشرف و الفضل على سائر الجهات، لكونها قبلة للدّعاء [٥]، و لكون القمرين و الكواكب المنيرة المشرقة فيها. ما هذا الّا كما يعبّر عن ذاته تعالى بعبادة الذكور و إن كان منزّها من الذكورة و الأنوثة، لما كان الذكور مفضّلين على الإناث، و العبارة عن الذكور مفضّلة على العبارة عن الإناث.
فإن قيل: فما تأويل قوله تعالى: «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ؟» [٦].
قلنا: معناه: أ أمنتم من في السّماء: عذابه و ملائكته. و أيضا فإنّ السمع قد
[١] م: أي.
[٢] م: وجه له.
[٣] القصص: ٨٨.
[٤] فاطر: ١٠.
[٥] م: الدعاء.
[٦] الملك: ١٦.