المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٠٤
بحدوث الأجسام.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنّه جسم، لا بمعنى أنّه متحيّز طويل عريض عميق، بل بمعنى أنّه قائم بنفسه؟.
قلنا: القيام بالنفس معناه الاستغناء عن المحلّ، و ذلك نفي لا يقبل التزايد. و معنى الجسميّة يدخله التزايد بدلالة قولهم: هذا جسم و ذلك الجسم منه، و هو جسم، فيجب أن يحمل على معنى يصحّ دخول التزايد فيه من الطول و العرض و العمق، لا على ما لا يدخله التزايد من القيام بالنفس.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام، كما يقولون شيء لا كالأشياء، لا يتناقض، لأنّ معنى «الشيء»: الموجود، الذي يصحّ أن يعلم و يخبر عنه فاذا قلنا إنّه تعالى شيء أفدنا به أنّه موجود يصحّ أن يعلم و يخبر عنه.
و إذا قلنا: «لا كالأشياء» عنينا به أنّه مخالف لغيره من الموجودات بأسرها، و لا تناقض في ذلك؛ و أمّا قول القائل: «إنّه جسم لا كالأجسام»، إن عني به أنّه طويل عريض عميق، فقد دللنا على بطلان هذه الأوصاف فيه تعالى، و إن عني به معنى آخر فقط أخطا من جهة اللغة، و إن عني بقوله «الأول»: انّه طويل عريض عميق و بما قالوا «لا كالأجسام»: أنّه ليس بطويل عريض عميق، فقد تناقض قولاه.
إذا ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ثبت أنّه يستحيل عليه ما يصحّ على الأجسام من الحركة و السكون و الصعود و النزول و الكون في مكان و حلول شيء فيه و أن يكون له أعضاء و جوارح.
و أمّا الدليل على أنّه تعالى ليس بعرض، فهو أنّ من قال «إنّه عرض»، إن عني به أنّه متجدّد الوجود قليل اللبث، فقد أبطل، لما بيّنا أنّه تعالى موجود واجب الوجود بذاته لم يزل و لا يزال و إن عني به أنّه ممّا يحلّ المحالّ و يحتاج في وجوده إليها، فهو باطل من حيث أنّه لو كان كذلك لكان محدثا بحدوث