هداية الناسكين - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٢٠٦ - رمي جمرة العقبة
جهة حركتهم على امتداد التاريخ، ويؤلّف بين قلوبهم ويوحّدها، برغم الفواصل المكانيّة والزمانيّة الكثيرة.
والمعمار الأوّل لهذا البيت ـ على قول ـ هو إبراهيم وابنه إسماعيل (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) (البقرة ٢: ١٢٧) وأولياء هذا البيت هم المتقون: (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ)(الأنفال ٨: ٣٤) .
وهذا فارق جوهري بين أولياء هذا البيت وأولياء بيوت الشرك، فإنّ اولياء هذا البيت المتقوّن دائماً، وأمّا غير هذا البيت من بيوت الشرك والكفر فلا يتولاّه إلاّ الجبابرة والطغاة والصّادوّن عن سبيل اللّه.
والكعبة بصراحة القرآن بيت وضع للناس: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً)(آل عمران ٣:٩٦). بعد ذلك عمّر اولياء اللّه بيوتاً كثيرة للناس على وجه الأرض، وأمّا البيوت التي أقامها المشركون للبطر والرياء فلم تكن لخدمة الناس وتوجيهم إلى اللّه وإنما كانت لتضليل الناس واستعبادهم وصدّهم عن سبيل اللّه .
الكعبة بصراحة القرآن (بيت اللّه) وفي نفس الوقت (بيت الناس) ايضاً بيت اللّه لأن اللّه تعالى أمر خليله بإقامته، وأمر إبراهيم ٧ أن يدعوا الناس إليه للحجّ وشدّ أفئدة الناس إليه، وأمر خليله إبراهيم٧وابنه بتطهيره واعداده للطائفين والقائمين والراكعين والساجدين، ونسبه إلى نفسه، كما نسبه إبراهيم٧ إليه تعالى فهو بيت اللّه.
منزلة الكعبة:
وهذا البيت أحبّ بقاع الأرض إلى اللّه تعالى. روى الصدوق في الفقيه عن سعيد بن عبد اللّه الأعرج عن أبي عبد اللّه٧ قال: أحبّ الأرض إلى اللّه تعالى مكّة، وما تربة أحبّ إلى اللّه عزّوجلّ من تربتها، ولاحجر أحبّ إلى اللّه عزّوجلّ من حجرها، ولا شجر أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من شجرها، ولا جبال أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من جبالها، ولا ماء إلى اللّه عزّوجلّ من مائها. (الفقيه ٢: ١٥٧).
أسماء البيت:
١ ـ الكعبة:
(جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ)(المائدة ٥: ٩٧).
وفي الرواية: إنّما سميت كعبة لأنها مربعة أو صارت مربعة لأنها بحذاء البيت المعمور وهو مربع، وصار البيت المعمور مربعاً لأنّه بحذاء العرش وهو مربع، وصار العرش مربعاً لأنّ الكلمات التي بنى عليها الإسلام أربع وهي: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلاّ اللّه واللّه اكبر، (الفقيه ٢: ١٢٤، الحديث ٥٤٠).
٢ ـ البيت العتيق :
(وَليَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العِتيَقِ) (الحج ٢٢: ٢٩) .
وسمى البيت العتيق لأنّه اعتق من الغرق (الفقيه ٢: ١٢٤، الحديث ٥٤٠) .
وعن أبي جعفر٧قال: قلت له: لم سمّى البيت العتيق؟ قال: هو بيت حرّ عتيق من الناس لم يملكه أحد. (الكافي ٤: ١٨٩) .
٣ ـ البيت الحرام :
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوَاد غَيْرِ ذِي زَرْع عِندَ بَيْتِكَ الْمُـحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ)(إبراهيم ١٤: ٣٧) .
وسمي بيت اللّه الحرام لأنّه حُرّم على المشركين أن يدخلوه (الفقيه ٢: ١٢٤).
اما بدء البيت في الروايات:
ففي الروايات قولان: أمّا القول الأوّل تقول: إنّ إبراهيم الذي أمر ببناء الكعبة (الكافي ٤: ٢٠٦، الحديث ٦) والقول الثاني تقول: إنَّ الكعبة كانت موجودة قبل إبراهيم، وإنّه جدّد بناءها فقط (الكافي ٤: ١٨٧ و٢٠٣). وللتلفيق بين الرأيين يمكننا القول: إنّ البيت بني من آدم٧ في موضع معين له من قبل، ولكن دثر زماناً طويلاً ثم جدّده ورفع قواعده إبراهيم ٧ وأذن في الناس بالحجّ إليه بعد أن بوّاه اللّه تعالى مكانه وأرشده وعلّمه عبادة الحجّ ومناسكه وشعائره العظيمة، فوضع أوّل بيت للناس.