هداية الناسكين - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١١٨ - أحدها الصيد
]الثاني: التلبية[([١])
[١] التلبية مفتاح الحجّ: وينطلق الحاجّ إلى الحجّ من الميقات بالتلبية، والتلبية مفتاح الحجّ، كما أنّ التكبيرة مفتاح الصلاة، ومن دون التلبية لايتمكّن الحاج من أن ينطلق في هذه الرحلة المباركة التي شقّ طريقها إليها أبونا ابراهيم٧ وعمقّة ووكّده ابنه المصطفى خاتم الأنبياء٦ ولايتأتي للإنسان أن ينطلق إلى اللّه في هذه الرحلة الإبراهيميّة في الاستجابة لدعوة اللّه تعالى من دون أن يفتح كلّ قلبه في هذه الاستجابة و يلبّي الدعوة إلى هذه الضيافة التي ينعم بها اللّه تعالى على عباده في كلّ سنة عند بيته المحرّم.
التلبية تفصل الحاجّ في الميقات فصلاً كاملاً عن دعوات هذه الدنيا وفتنها وإثارتها مرّة واحد، ويصبّ الحاجّ من كلّ فجّ عميق في الميقات بأزياد مختلفة وهموم كثيرة واهتمامات عديدة، فيصيغهم اللّه تعالى في الميقات صياغة جديدة وينتزعهم من كل رغباتهم وهمومهم واهتماماتهم انتزاعاً كاملاً بالتلبية وبمحضّهم للاستجابة لدعوته تعالى، لقد ورد في النصوص الاهتمام بالتلبية، والاكثار منها وترديدها.
«لبيك» أي أنا مقيم على طاعتك ونصب على المصدر كقولهم «حمداً للّه وشكراً له» قال الجوهري: وكان حقّه أن يقال: لبّاً لك، وقيل: أي إجابة لك ياربّ بعد اجابة.
وفي الحديث: سمّيت التلبية إجابة; لأنّ موسى أجاب ربّه وقال لبّيك.
وفي المصباح: أصل لبّيك لبيّن لك فحذفت النون للإضافة. قال: وعن يونس انّه غير مثنّى، بل اسم مفرد يتّصل به الضمير بنزلة على ولدي إذا اتّصل به الضمير، وأنكره سيبوبه وحكى من كلامهم بني زيد بالياء مع الإضافة إلى الظاهر فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدلّ على أنّه ليس مثل على ولدي.
ولبّى الرجل: قال التلبية ولبّى بالحجّ تلبية، وأصله لبيت بغير همزة، قال الجوهري: قال الفرّاء ربّما أخرجت بهم فصاحتهم إلى أن يهمزوا ما ليس بمهموز. (مجمع البحرين: ١٦٦ مادّة لب)
وفي (المسالك ٢: ٢٣٥) ومعنى لبيّك إقامتين على طاعتك إقامة بعد إقامة أو مواجهين لك مواجهة بعد مواجهة، لأنّه إمّا من لبّ بالمكان إذا أقام به، أو من قولهم: دار فلان تلبّ داري، أي تحاذيها، ونصب على المصدر، ولك حمداً للّه وشكراً، وكان حقّه أن يقال: لباً لك وثنّى تأكيداً أي إلباباً لك بعد الباب، واقامة بعد اقامة، هذا بحسب أصله لغةً، لكنّه قد صار موضوعاً للإجابة، وعبّر عنها بذلك، وهي جواب عن النداء القديم الذي أمر اللّه به لإبراهيم٧ عند بنائه البيت فصعد أبا فبيس ونادى الناس، فأجابه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء .
التلبية جوهر العبوديّة:
الحج ضيافة اللّه تعالى لعباده فهو دعاهم لهذه الضيافة واستضافهم في بيته المحرّم في موسم الحجّ كما
أنّ الصيام ضيافة اُخرى في شهر رمضان المبارك وفي كلا الضيافتين يدعو اللّه عباده إلى أفضل مواهبه ونعمه: والمواهب التي يدعواللّه عباده إليها في الحجّ تختلف عمّا نألفه ونعرفه في حياتنا الدنيا من المواهب الإلهيّة والنعم.
فإنّ دعوة الحجّ تتضمّن الدعوة إلى التوحيد والإخلاص والانقطاع إلى اللّه كما تتضمّن الدعوة الالتزام بقيّم العبوديّة الخالصة للّه وحدة، هذه هي الدعوة، والتلبية لهذه الدعوة الإلهيّة استجابة من العباد، لدعوة اللّه تعالى لهم على لسان بنيّة إبراهيم٧ ومن عظمة هذه الدعوة الإلهيّة التي أشهرها إبراهيم خليل الرحمن بأمر من اللّه تعالى في عبده (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق) إنّ اللّه تعالى وعد عبده وخليله إبراهيم عند ما أمره بإشهار هذه الدعوة، فكأنّ الدعوة من اللّه لعباده واشهار الدعوة بأمر من اللّه والاستجابة للدعوة بضمان ووعد من اللّه تعالى بعبده وخليله ابراهيم٧ ومنذ أن وعد اللّه تعالى إبراهيم عبده وخليله بالاستجابة لهذه الدعوة يحج في كلّ عام حشد غفير من الحجّاج من الميقات إلى البيت الحرام ليلبّوا هذه الدعوة. التلبية هي الاستجابة لدعوة اللّه تعالى لأنّ اللّه تعالى يدعو عباده إلى الإيمان وينهى عن الكفر والشرك والريب والشكّ والنفاق. والاستجابة لأمر اللّه وحكمه في التشريع هي الطاعة والانقياد عن طوع وإرادة وخلاف ذلك الذنب والمعصية والفسوق.
وفي الختام نذكر نكتة مهمّة، وهي شعور الحاج عند التلبية: إنّ التلبية تقترن في نفس الحاجّ بانفعالات نفسيّة، فهي تقترن بالشوق إذ يقبل الحاجّ إلى الميقات ملّبياً دعوة ربّه، ويقترن بالإحساس بالهيبة عند ما يشعر الحاجّ أنّه يقف بين يدي ذي الجلال والعظمة ليلبىّ دعوته،، ويقترن بالرهبة والخوف، عند ما ينظر إلى نفسه فلا يراها أهلاً لهذا التكريم الإلهيّ، ولا يراها موضعاً لهذه الدعوة الإلهيّة ويخشى إن لبّى أن يردّ اللّه تعالى تلبية.
وفي الرواية: أنّ جعفر بن محمد الصادق٧ حجّ فى سنة فلمّا استوت به راحلته عند الإحرام كان كلّها همّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، و كان أن يخرّ من راحلته، فقلت: يا ابن رسول اللّه٦ ولابدّ لك من أن تقول، فقال: كيف أجر أن أقول: لبّيك الّلهم لبّيك، وأخشى أن يقول عزّوجلّ لي: لالبّيك و لاسعيدك. (الأمالي للشيخ الصدوق: ١٦٩)
علّة التلبية
١. عن الحلبي قال: سألته: لم جعلت التلبية؟ فقال: إنّ اللّه عزّوجلّ أوحى إلى ابراهيم أن: (أَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق)فنادى فاُجيب من كلّ وجه يلبّون (الكافي ٤: ٣٣٥، وسائل الشيعة ١٢: ٣٧٤، كتاب الحجّ، أبواب الإحرام، الباب ٣٦، الحديث ١).
٢. عن أبي عبداللّه٧ في حديث قال: قلت، فلِمَ جعلت التلبية؟ قال: لأنّ اللّه قال لإبراهيم: (وأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)فصعد ابراهيم على تلّ فنادى وأسمع، فأجيب من كلّ وجه... الحديث (وسائل الشيعة ١١: ٢٣٨، كتاب الحج، أبواب اقسام الحج، الباب ٢، الحديث ٣٧).
٣. عن سليمان بن جعفر قال: سألت أباالحسن٧ عن التلبية وعلّتها؟ فقال: إنّ الناس إذا أحرموا ناداهم اللّه تعالى ذكره فقال: يا عبادي وإمائي، لأحرمّنكم على النار كما أحرمتم لي، فقولهم: لبّيك اللّهّم لبيك إجابة للّه عزّوجلّ على ندائه لهم.(وسائل الشيعة ١٢:٣٧٥، كتاب الحج،أبواب الإحرام، الباب ٣٦، الحديث٣).