هداية الناسكين - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٥٣ - أسرار الحجّ وأعماله الباطنة
وأمّا الإحرام والتلبية من الميقات:
فليستحضر أنه إجابة نداء اللّه تعالى، وليكن في قبول إجابته بين خوف ورجاء، مفوّضاً أمره إلى اللّه، متوكّـلاً على فضله.
قال سفيان بن عيينة: حجّ زين العابدين علي بن الحسين٧ ، فلمّا أحرم واستوت به راحلته، إصفرّ لونه ، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبّي ، فقيل له : ألا تلبّي، فقال: «أخشى أن يقول: لا لبّيك ولا سعديك!» فلمّا لبّى غشي عليه وسقط عن راحلته ، فلم يزل يعتريه ذلك حتّى قضى حجّه.
فانظر رحمك اللّه إلى هذه النفس الطاهرة، حيث بلغ بها الإستعداد لافاضة أنوار اللّه، لم تزل الغواشي الإلهيّة والنفخات الربّانيّة تغشاها، فيغيب عن كلّ شيء سوى جلال اللّه وعظمته وليتذكّر عند إجابته نداء اللّه سبحانه، إجابة ندائه بالنفخ في الصور، وحشر الخلق من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة، مجيبين لندائه.
أمّا دخول مكّة:
فليستحضر عنده أنه قد انتهى إلى حرم اللّه الآمن، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللّه، وليخش أن لايكون من أهل القرب ، وليكن رجاؤه أغلب، فإنّ الكريم عميم ، وشرف البيت عظيم، وحقّ الزائر مرعى، وذمام اللائذ المستجير غير مضيّع، خصوصاً عند أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. ويستحضر أنّ هذا الحرم مثال للحرم الحقيقي، لترقى من الشوق إلى دخول هذا الحرم والأمن بدخوله من العقاب إلى الشوق إلى دخول ذلك الحرم والمقام الأمين.
وإذا وقع بصره على البيت فليستحضر عظمته في قلبه، وليترقّ بفكره إلى