شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٤٦ - الفصل العشرون فى انه تعالى متفرد فى جميع جهاته و متوحد فى انحاء وحدته
هذه كلها ليس الموجود فى هذا الشخص الّا ذات واحدة له هويّة بسيطة احدية سارية فى الاعضاء كلها، و ليست كثرة الاعضاء و انقسامها قادحة فى وحدته، لان وحدتها ضرب اخر من الوحدة شبه الوحدة العقلية و وحدة الاعضاء وحدة بالاتصال و نحوه.
و بالجملة فللنفس مقامان: مقام التنزيه و التعرى و الغيبة عن البدن و الاعضاء، و مقام المعية و الخلط و الاجتماع معها و النزول الى مرتبتها، و هى فى كلا المقامين على وحدتها و طهارتها الذاتية، كالنور اذا وقع فى القاذورات و النجاسات لا يتنجس بنجاستها و لا يتكثر ذاته بكثرتها، فالنفس فى كلا المقامين ذات احديّة موصوفة بصفاتها التنزيهية و لا يغيب عن ذاتها فى شيء من المقامين، الا ان النّفوس[١] النّاقصة المغمورة فى البدن نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ[٢] و مثالنا فى النفوس الكاملة التى لا يشغلها شأن عن شأن، الا انها فى المقام الثانى يوصف بصفات البدن و احكام الكثرة و التجسم و التغير على وجه لا يقدح فى وحدتها و تجردها، فاجعلها مقياسا لك فى معرفة البارئ جل و علا.
فاذا تقررت هذه المقدمات فنقول: انّه تعالى كلّما ذكر فى اوّل الخطبة من نعوت الاحديّة و اوصاف الفردانية و التنزيه و التقديس كانت ثابتة له تعالى باعتبار ذاته قبل ان يخلق الخلق، و ان الّذي يعيده من التوحيد و التنزيه فى ذيل الخطبة كان له فى المقام الجمعى الالهى لئلا يلزم التكرار فى كلامه.
و هو قوله: الواحد الاحد الصمد، المبيد للابد و الوارث للامد، يعنى ان ابده عين ازله و امده عين ابتدائه، بل لا ازل و لا ابد و لا ابتداء و لا امد حيث ذاته، لانه الّذي لم يزل و لا يزال وحدانيا ازليا قبل بدئ الدهور و بعد صروف الامور، لانه اصل كل شيء و منبعه و مبدئه و هو غاية كلّ خلق و كماله و آخره و وارثه الّذي لا يبيد و لا ينفد و كل ما سواه بائد نافد، بل من حيث انه سواه باطل مضمحل دون وجهه الكريم.
و لمّا وصف (ع) ربه بهذا المحامد الشريفة و التماجيد العظيمة و التوحيدات القدسية و الصفات الاحدية و النعوت الصمدية التى لم يسبقه بمثلها احد و لا تلحق
[١]. الا النفوس- م- د- ط.
[٢]. الحشر/ ١٩.