شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩ - الفصل السادس فى تصحيح القول بالبداء حسبما نقل من ائمة الهدى
و قصدته دفعه، بل فعلها و ادراكها فعل النفس و ادراكها فى عالم الحواس، مع ان ذلت الحواس و فعلها و ادراكها فى عالم اخر سفلى متكثر متغير منقسم و ذات الناطقة العاقلة و فعلها و ادراكها فى عالم علوى شريف مبرأ عن الوضع و الانقسام و الدثور و الفساد.
فهكذا طاعة الملائكة الواقعة فى ملكوت السموات لله سبحانه و لامره و كلمته، لانهم المطيعون بذواتهم لامره المستمعون باسمائهم الباطنة لكلامه و وحيه، المستشعرون بقلوبهم لعظمته، فحيث انهم لا يستطيعون خلافا و لا تمردا، بل يفعلون بامره و ينتهون بنهيه و يقصدون قصده بحكمه، فافعالهم كذواتهم افعال الحق لكن بالواسطة كما ان افعال الجوارح فعل الناطقة لكن فى عالم البدن، فهؤلاء المكرمون افعالهم و تدبيراتهم و تصوراتهم و تصرفاتهم كلها من الحق و بالحق كما فى قوله تعالى: وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ[١].
فاذا تقرر هذا الاصل ظهر فضل ظهوران كل كتابة تكون فى الالواح السماوية و الصحائف القدرية فهو أيضا مكتوب الحق الاول تعالى بعد قضائه السابق المكتوب بالقلم الاعلى فى اللوح المحفوظ عن المحو و الاثبات المصون عن النسخ و التبديل، و هذه الصحائف السماوية و الالواح القدرية اعنى قلوب الملائكة العمالة و نفوس المدبرات العلوية المشار إليها بقوله تعالى: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً[٢]، كلها كتاب المحو و الاثبات المشار إليه فى قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ[٣]، سماه أمّ الكتاب لاحتوائه على الكل اجمالا، فيجوز فى نقوشها المنقوشة فى قلوبها و صدورها اعنى نفوسها و طبائعها ان تزول و تبتدل، لان مرتبتها لا يأبى ذلك كما بينا فى مسألة حدوث العالم و ما يتعلق به.
و الّذي يستحيل فيه التغير و التبدل انما هو ذات الله و صفاته و عالم امره و قضائه السابق و علمه الازلى، فمن هذه الالواح القدرية و اقلامها الناقشة لصورها وصف الله نفسه بالتّردد كما فى قوله: ما ترددت فى شيء كترددى ... الحديث الالهى و بالابتلاء
[١]. الاسراء/ ١٠٥.
[٢]. النازعات/ ٥.
[٣]. الرعد/ ٣٩.