شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٤ - الشرح
للعالم و انشائه للموجودات من كتم العدم مما يوجب استحقاقية الحمد له و الثناء عليه، و لذلك كانت الملائكة يسبحونه بحمده و يقدسونه قبل خلق العالم و هو قولهم:
وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ[١]، فثبت و تحقق ان له الحمد و الثناء فى المبدأ و المنتهى.
ثم انه ٧ انشأ خطبة ثانية فى ذلك اليوم وقت العصر فقال: الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسيد و المرتدى بالجلال بلا تمثيل.
و اعلم ان الكبرياء لا بدّ فيه من امرين: احدهما وجود الشرف و العلو على الغير و الثانى العلم بكمال الذات و فضلها، و هذان الاعتباران صادقان عليه تعالى اتم من صدقها على كل موجود و كذا الجلال و العظمة، فكان سبحانه احق بالكبرياء و الجلال من كل موجود.
اما الاول: فلانه لما كان كمال الذات عبارة عن تمام وجود الشيء و كماله بحيث لم يفته من كماله شيء، بل كل ما ينبغى له فهو حاصل له بالفعل، صدق عليه هذا الاعتبار أتم صدق، و اما الثانى: فلان وجوده تعالى هو الوجود الّذي يصدر عنه وجود كل موجود عداه و هو تعالى عالم بذاته و بجميع الاشياء كلياتها و جزئياتها اتم علم، فهو اذن عالم بكماله و شرفه على عبيده و مخلوقاته و عالم بان غيره تعالى لا يستحق صفة الكبرياء و الجلال بالحقيقة بحسب كل من الاعتبارين.
اما الكمال: فليس لغيره لذاته بل بسبب افاضته تعالى، ذلك الكمال و الشرف أيضا بالقياس الى ما دونه الا بالإضافة الى ما فوقه، و اما العلم: فعلم ناقص غير محيط بجميع الاشياء و لا بما فوقه، و لاجل ذلك اختارهما لنفسه دون خلقه، و معنى اختياره لنفسه هاهنا تفرده باستحقاقهما لذاته، فان المستحق للكبرياء و الجلال بالذات ليس الا هو كما ذكرنا، و قد دل على ذلك المنقول و المعقول:
اما المنقول: فقوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ[٢]، و الألف و اللام هاهنا يفيد حصر الكبرياء و العلو فيه.
[١]. البقرة/ ٣٠.
[٢]. الرعد/ ٩.