شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٨ - الشرح
و قوله: و قدرية هذه الامة و مجوسها، اى تلك مقالة قدرية هذه الامة و قد ورد الحديث فيهم: ان القدرية مجوس هذه الامة. و اختلفوا فى ان المراد بالقدرية الواقعة فى الحديث اىّ الفريقين؟ و كل منهما يقول ان المراد هو الاخر، اذ لكل منهما وجه من الشباهة بالمجوس القائلين بان: الخير و الشر ليسا منا بل من غيرنا و ان فاعل الخير هو يزدان و فاعل الشر هو اهرمن. فالقائلون بان العبد مجبور فى فعله هم كالمجوس فى قولهم الاول[١]، و القائلون بان العبد فاعل فى فعله مفوض إليه اختيارهم كالمحبوس فى قولهم الثانى[٢]. و لكن المراد بالقدرية هاهنا هى المجبرة، لان الكلام كان فى نفى الاختيار عن العبد.
ثم لما نقض ٧ دليل الخصم و الزمه ما يلزم من المفاسد الشنيعة شرع فى الجواب على وجه ينحل به عقدة الاشكال و تزول به وسوسة الوهم و الخيال فقال: ان الله تبارك و تعالى ... الى آخره.
و اعلم انه يمكن تقرير هذه الاشكال و دفعه بوجهين بناء على تفسير القضاء بوجهين: احدهما بمعنى الامر كما فى قوله تعالى: وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[٣]، و هو الظاهر من قوله فى رواية نهج البلاغة: ان الله سبحانه امر عباده تخييرا و نهاهم تحذيرا، و من قوله هاهنا: ان الله تبارك و تعالى كلف تخييرا و نهى تحذيرا.
و الثانى بمعنى العلم الملزم و الايجاد الواجب على وفقه[٤] و هو ان القضاء عبارة عن ابداع الاول تعالى لصور الموجودات الكلية و الجزئية التى لا نهاية لها من حيث هى معقولة فى العالم العقلى. ثم لما كان ايجاد ما يتعلق منها بمواد الاجسام فى موادها و اخراج المادة من القوة الى الفعل غير ممكن الا على سبيل التعاقب و التدرج لامتناع قبولها لتلك الكثرة دفعة، و كان الجود الالهى مقتضيا لايجادها و لتكميل المادة بابداعها[٥] فيها و اخراج ما فيها من قبول تلك الصور من القوة الى الفعل، قدر بلطيف حكمته و جوده زمانا تنقطع ليخرج فيه تلك الامور من القوة الى
[١]. اى: الخير و الشر ليسا منا.
[٢]. اى: القول بالشريك.
[٣]. الاسراء/ ٢٣.
[٤]. اى: على العلم.
[٥]. اى: الكثرة.