شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥ - الشرح
و امّا اهل النار فقولهم: رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ[١]، اى غلبته الشقوة على نفوسنا صيرتنا من اهل النار و كنا فى الاصل من صنف اهل الضّلال، كما دل عليه كون الخبر جملة اسمية، ففرق بين ان يقولوا كنا ضللنا و بين ان يقولوا كنّا قوما ضالين اى من هذا لقسم فدل كلامهم بان لم يدخلوا النار باختيارهم بل بما سبق عليهم من القضاء و ما كانوا عليه من غلبة الشقاء و كونهم من قسم الضالين.
و اما ابليس فقوله: فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ[٢]، جعل اغواء الله ايّاه سبب غوايته و اغوائه للناس.
فان قلت: ما معنى اغواء اللّه لابليس و اضلاله؟
قلت: هو عبارة عن ايجاد عينه غاويا مغويا و خلقه ضالا مضلا، و قد حققنا ذلك و بسطنا القول فيه فى كتابنا المسمى بمفاتيح الغيب و فى كتابنا المسمّى باسرار الآيات[٣].
و زبدة الكلام فيه: انّ العوالم و النشئات متطابقة مترتبة فى الشرف و الخسة، اذ ما من شيء فى هذا العالم الا و له روح فى العالم الاعلى، و ما من شيء فى العالم الاعلى الا و اصله من حقيقة ربانية و سره من اسم إلهى كما يعرفه الكاملون، و انّ انواع الموجودات الكونية كلها مظاهر اسماء الله و صفاته، و من الاسماء و الصّفات ما هو اكثر حيطة و اشمل اقساما كالصفات المتقابلة و منها ما ليس كذلك فلله تعالى صفتا لطف و قهر و رحمة و غضب و هداية و اضلال و غيرها من المتقابلات، و لا بدّ فيهما من مظاهر، فالملائكة و من والاهم من الاخيار مظاهر اللطف و الرحمة و الهداية و الشياطين و من ضاهاهم من الاشرار مظاهر القهر و الغضب و الاضلال.
و من هاهنا يظهر سرّ السعادة و الشقاوة الازليتين و حقيقة الجنة و النار و حقيقة نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ[٤]، و سرّ قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً[٥]، و سرّ قوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ* الله فلا هادى له[٦]، و قوله:
[١]. المؤمنون/ ١٠٦.
[٢]. الاعراف/ ١٦.
[٣]. نحن بعون الله تعالى و عنايته صححنا هذين الكتابين و علقنا عليهما تعليقات مفيدة و نقلنا هما أيضا بلغة الفارسية انتشر بعد زمان.
[٤]. اللمزة/ ٦ و ٧.
[٥]. البقرة/ ٢٦.
[٦]. الاسراء/ ٩٧ و الاعراف/ ١٨٦.