شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٣ - الشرح
شيء، فان الله يولى كلا ما تولاه و هو قوله تعالى: وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ. نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً[١].
و قد جاء فى الخبر فى صفة يوم القيامة: ان فى القيامة لخمسين موقفا، عن عبد الله بن مسعود[٢]: ان الله عز و جل ينزل فى ظلل من الغمام من العرش الى الكرسى فينادى مناد: ايها الناس أ لم ترضوا من ربكم الّذي خلقكم و رزقكم و امركم ان تعبدوه و لا تشركوا به شيئا ان يولى كل ناس منكم ما كانوا يتولون و يعبدون فى الدنيا أ ليس ذلك عدلا من ربكم؟ قالوا: بلى، قال:
فينطلق كل قوم الى ما كانوا يعبدون و يتولون فى الدنيا قال: و تمثل لهم اشباه ما كانوا يعبدون ... الحديث بطوله.
و كما يولون فى الآخرة ما تولوا فى الدنيا، فانما يولون فى الدنيا ما تولوا فى السوابق حين خلقوا فى الظلمة، فان شك فى ذلك قائل فاتل قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ[٣] ... الآية، ليعلم ان الله عز و جل لا يحمل احدا شيئا قهرا و قسرا بل يعرضه عليه أولا، فان تولاه و لاه و ان لم يتوله لم يوله، و هذا من رحمة الله و عدله و يرحم الله امرأ آمن بالكتاب كلمه و لم يبادر بالصرف و التأويل الى ما لم يبلغه بعقله و لم يسلك سبيل المقتسمين الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ[٤].
لا يقال: ليس تولية الشيء الى ما تولاه عدلا بل حيث يكون ذلك التولى عن رشد و بصيرة، فان السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه بجهله و سفاهته، ثم لا يكون تولية ذلك اياه عدلا بل ظلما و انما العدل و الشفقة فى ذلك منعه اياه.
لانا نقول: هذا التولى الّذي كلامنا فيه ليس توليا يحكم عليه الخير و الشر و انما هو تولى حاكم على الخير و الشر، لان ما يختاره السفيه انما يسمى شرا لانه مناف لذاته، فلذاته اقتضاء اوّل متعلق بنقيضه، فلذلك هو الّذي اوجب ان سمينا ذلك شرا بالنسبة إليه، و اما الاقتضاء الاول: فلا يمكن وصفه بالشر لانه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بانه شر، بل هو الاقتضاء الّذي جعل الخير خيرا، لان الخير ليس الا ما
[١]. النساء/ ١١٥.
[٢]. فى صفة يوم القيامة موقوفا عن ابن مسعود- م- د.
[٣]. الاحزاب/ ٧٢.
[٤]. الحجر/ ٩١.