شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٥ - الشرح
ارتكاب المشاق عبثا فلا فائدة للتكليف و الترغيب و التأديب و لا تأثير للسعى و الجد و التّهديد و الترهيب و الوعد و الوعيد؟
قلنا: المقدر هو حصول السعادة بعد تحصيل اسبابه، و كما ان الاشياء الداخلة فى وجود الانسان كالقدرة و العلم و الإرادة من جملة اسباب الفعل فكذلك فاحدس ان الامور الخارجة أيضا من جملتها، فالدّعوة و التكليف و الارشاد و التهذيب و الوعد و الترغيب و الايعاد و التهديد امور جعله الله مهيّجات الاشواق و الدّواعى الى الخيرات و الطاعات و اكتساب الفضائل الكمالات و محرصات على اعمال حسنة و طاعات محمودة و اخلاق جميلة و ملكات فاضلة مرضية مكملة لنا نافعة فى معاشنا و معادنا يحسن بها حالنا فى دنيانا و يحصل بها سعادتنا فى أخرانا او محذرات عن اضدادها من الشرور و القبائح و الذنوب و الرذائل مما يضرنا فى العاجل و نشقى بها فى الاجل.
و كذلك السعى و الجد و التدبير و الحذر اذا قدرت مهيئته لمطالبنا موصلة ايّانا الى مقاصدنا مخرجة لكمالاتنا من القوة الى الفعل و جعلت اسبابا لما يصل إلينا من ارزاقنا و ما قدر لنا من معايشنا او هيئ لنا فى عاقبتنا او يصرفه الله تعالى عنا من المكاره و يدفعه عنّا من المضار و المفاسد مقدرة لنا واجبة باختيارنا كما قال تعالى لمن سأله ٦ هل الدواء و الرقية من قدر الله؟ قال: الدواء و الرقية أيضا من قدر الله، و لما قال ٦: جف القلم بما هو كائن، قيل: ففيم العمل؟ فقال: اعملوا و كل ميسر لما خلق له، و لما سئل أ نحن فى امر فرغ منه او فى امر مستأنف؟ قال: فى امر فرغ منه و فى امر مستأنف.
و من هذا علم ان كل ما يصدر عنّا من الحركات و السكنات و الحسنات و السيئات محفوظة فى القضاء مكتوبة لنا و علينا فى القدر واجب صدورها عنّا مع كونها باختيارنا كما قال تعالى: وَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ[١]، قال: وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ[٢]. فهى معرفات لسعادتنا و شقاوتنا فى العقبى ليست بموجبات كما فى قول امير المؤمنين (ع) فى هذا الحديث: و تظن
[١]. القمر/ ٥٢ و ٥٣.
[٢]. يس/ ١٢.