شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥ - الفصل الخامس عشر فى براءته عن الكلال و الثقل و الانفعال
يطرئه الانفعال و التعب، بل فعله الافاضة و صنعه الابداع الناشئ عن محض علمه و اراداته من غير استعمال آلة او حركة، و نحن لو كنا بحيث وجد من نفس علمنا و ارادتنا شيء لم يلحقنا من وجوده تعب و انفعال، لكنا نحتاج فى افعالنا الى حركة و استعمال آلة، على انّ علمنا و ارادتنا زائدين على ذواتنا، فاللّه تعالى اولى بان لا يلحقه تغير من صنعه، لانّ فعله بمجرد علمه و مشيئته الموجبتان لقوله و امره الواسطتان لفعله و صنعه.
فهناك ثلاثة امور مترتبة: اولها العلم و الإرادة و هما عين ذاته و لا تغير فيها. و ثانيها القول و الكلمة. و هما ناشئتان من ذاته بلا وسط، فلا تغيّر فيهما و لا تبديل و لا تحويل لقوله: لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ[١]، وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا[٢]، لان الناشئ عن الثابت ثابت. و ثالثها الصنع و الفعل و يتطرّق فيه التّغير، لانّ من جملة المواد و الحركات.
فالفاعل الّذي يفعل بالحركة لتعلقه بالجسم يلحقه لا محالة تكأد و كلال، كالكتابة و المشى و غير ذلك، و الله منزه فى صنعه الّذي هو الابداع و هو افضل ضروب الفعل و الايجاد، عن لحوق تغيّر الّذي هو من لواحق التّعلق بالمواد و الاجساد إليه، بل هو كما اشار إليه بقوله (ع): انّما قال لما شاء: كن فكان، فقوله تعالى «كن» كلمة وجوديّة تامة لا يشوبها عدم و قصور، و قضاء حتم لا يمازجه احتمال و ظنّ و جزاف، و أوّل ما يترتب على قوله «كن» ما عبّر عنه بقوله «فكان» و هى اكوان خلقية دائمة الحركات يلحق الى فاعل غير متناهى قوة الفعل، فى قابل غير متناهى قوة الانفعال لرشح الخيرات الدائمة و افاضة النّعم التى لا تحصى كما قال: وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها[٣]، و اكدّ ذلك بقوله: ابتدع ما خلق بلا مثال سبق و لا تعب و لا نصب.
امّا ان خلقه غير متوقّف على سبق مثال: فلانّ المثال أيضا من جملة افعاله، فلو كان ابتداعه لكلّ فعل مسبوقا بمثال لزم التسلسل فى الامثلة فوجب ان لا مبدأ لصنعه الّا ذاته بذاته، و امّا ان لا يلحقه تعب و لا نصب: فلانه لا يفعل الاشياء بقوة متناهية جسمانية حتى يعرضها الوهن و الكلال و نحو ذلك، لانّ هذه الامور من خواص الجسمانيّات.
[١]. يونس/ ٦٤.
[٢]. الفاطر/ ٤٣.
[٣]. ابراهيم/ ٣٤.