شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٨ - الشرح
أَثِيمٍ[١] و قوله: وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ[٢].
فظهر انّ هذه الهيئة الراسخة و الحالة الباطنة اذا اشتدّت و تجوهرت[٣] و تمثّلت و تصوّرت فى عالم الباطن و الملكوت بصورة تناسبها هى المسماة فى عرف الحكمة بالملكة و فى النبوّة بالملك و الشيطان فى جانبى الخير و الشرّ، و لو لم يكن لتلك الملكات و النيات من الثبات و التجوهر ما يبقى ابد الآباد لم يكن لخلود اهل الجنة فى الثّواب ابدا و لخلود اهل النار فى العقاب مؤبدا وجه صحيح، فان منشأ الصواب[٤] و العذاب و مقتضيهما[٥] لو كان نفس العمل او القول و هما امران زائلان يلزم بقاء المسبب مع زوال السبب المقتضى، و ذلك غير صحيح، و مثل هذه المجازات لا سيما فى جانب العقاب لا يليق بالحكيم و قد قال: وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٦]، و قال: وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ[٧].
فاذن انما يخلد اهل الجنة فى الجنة و اهل النار فى النار بالثبات فى النيّات و الرّسوخ فى الملكات، و مع ذلك فان من فعل مثقال ذرة من الخير او الشر يرى اثره مكتوبا فى صحيفة ذاته او صحيفة ارفع من ذاته مخلدا ابدا كما قال: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ[٨]، و اذا حان وقت ان يقع بصره الى وجه ذاته عند فراغه عن غشاوة الطبيعة و شواغل هذه الحياة الدنيا و ما يورده الحواس و يلتفت الى صحيفة[٩] باطنه و صحيفة ذاته و لوح قلبه و هو المعبّر عنه بقوله تعالى: وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ[١٠]، و قيل له: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ[١١]، فمن كان فى غفلة عن احوال نفسه و حساب حسناته و سيئاته يقول: ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[١٢]، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً.[١٣]
[١]. الشعراء/ ٢٢١ و ٢٢٢.
[٢]. الزخرف/ ٣٦.
[٣]. كذا فى جميع النسخ و الظاهر الواو زائدة.
[٤]. كذا فى جميع النسخ و الظاهر: الثواب.
[٥]. مقتضيها- ط.
[٦]. ق/ ٢٩.
[٧]. البقرة/ ٢٢٥.
[٨]. عبس/ ١٣- ١٦.
[٩]. صفحة- م- د.
[١٠]. التكوير/ ١٢.
[١١]. ق/ ٢٢.
[١٢]. الكهف/ ٤٩.
[١٣]. آل عمران/ ٣٠.