شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٣ - الشرح
و اما الثانى: فلان عدد تفاصيل المعقولات لا يكاد تتناهى، و ذلك لان اجناس الموجودات و انواعها غير متناهية و كذلك المناسبات الواقعة بينهما[١]، و المدركات بالحواس محصورة فى اجناس قليلة، و ان تكثرت فانما تكثرت بالموضوعات او بالاشد و الاضعف، كالحلاوتين المختلفتين.
و اما الثالث: فلان المدركات العقل هى المفارقات عن المادة و الصور الكلية المجردة عن الاجسام و غوائشها بخلاف المحسوسات، و هى الباقيات الدائمات من غير تغير. و هذه هى الامور الدنية الكائنة الفاسدة، فاذا كان الكمالات العقلية اكثر و ادراكاتها اتم و مدركاتها ارفع و اشرف كانت اللذة و السعادة بحسبها اشد، لان نسبة اللذة الى اللذة نسبة الكمال الى الكمال و الادراك الى الادراك و المدرك الى المدرك.
و اعلم ان هذه السعادة العقلية هى سعادة المقربين الكاملين فى العلم من افراد البشر، و بعد هذه السعادة سعادة اصحاب اليمين و هم الذين صفت نفوسهم عن درن المعاصى و الشهوات الدنية و سلمت قلوبهم عن الامراض الباطنة، فسعادتهم و ان كانت حسية و مدركاتهم امورا محسوسة من الجنة و الحور و القصور لكنها خالصة عن المكدرات آمنة عن التضاد و الفساد، واردة عليهم من الاسباب العالية و الجهات الفاعلية بلا مشاركة المادة السفلية و استعداداتها و جهاتها الوضعية، فنعيمها دائم و سرورها ابدى غير زائل، و هكذا قياس الشقاوة الحسية التى تقابلها فى انها بعد الشقاوة العقلية التى هى بالاحتجاب عن الحق و هى نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ[٢]، و هذا هى المستولية على الجلود و الابدان، و هى اشد ايلاما من كل تعذيب بنار حسية، قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ[٣]، تقديما للاحتجاب عن الحق تعالى على صلى النار.
اذا تقررت هذه المعلومات فنقول: فى هذا الحديث مسائل:
الاولى: ان سعادة المرء و شقاوته ازليتان كما قيل: السعيد سعيد فى الازل و الشقى شقى
[١]. بينها- النسخة البدل.
[٢]. الهمزة/ ٦ و ٧.
[٣]. المطففين/ ١٥ و ١٦.