شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٤ - الشرح
لم يزل، و هو ما اشار بقوله تعالى: ان الله خلق السعادة و الشقاوة قبل ان يخلق خلقه، و المراد بهما: الحقيقتان العقليتان لا الحسيتان، لان وجود الامور العقلية متقدمة على الخلق لانها من عالم الامر و الحسيات متأخرة عن الخلق لانها تابعة، يعنى انه تعالى خلق سعادة كل سعيد و شقاوة كل شقى قبل ان يخلق خلقه، فان المنازل و المقامات التى يصل إليها اهل السعادة موجودة قبل وجودهم الدنيوى، و كذا المنازل و الدركات التى يصل إليها اهل الشقاوة موجودة قبل خلقهم. و يحتمل ان يكون معنى الخلق فى احد اللفظين و هو الاول بمعنى التقدير و فى الثانى بمعنى الايجاد، يعنى انه سبحانه يعلم فى الازل قبل ايجاد الخلائق حال ما يئول إليه احوالهم من السعادة و الشقاوة.
و الثانية: ان السعيد محبوب الحق تعالى و الشقى مبغوضه و مغضوب عليه من الله و مطرود عن بابه. و قد سبق تحقيق انّ معنى محبة الله لغيره ما ذا؟ و هى ترجع الى كونه فى درجة القرب منه تعالى و كذا معنى مقت الله و كراهة لاحد هو كونه فى درجة البعد عنه. و قد علمت ان السعادة و الشقاوة الحقيقيتين مرجعا[١] هما الى القرب منه تعالى و البعد عنه، و ان السعيد هو العبد المقرب و الشقى هو العبد المبعد. فثبت ان كل سعيد محبوب للحق الاول تعالى، و كل شقى ممقوت عنده مكروه له.
الثالثة: ان من احبه الله فى الازل لم يبغضه ابدا و من ابغضه لم يحبه ابدا.
و تحقيق هذه المسألة على وجه التمام و الكمال يحتاج الى خوض عظيم فى بحار علوم الالهيات و معارف الربوبيات و هذا المقام يضيق عن تفصيل بيانه و لكن اللمحة الاجمالية و القول الوجيز فيه كما افاده بعض المحققين: ان الله سبحانه قسم عباده بالمشيئة و الإرادة الازليتين الى قسمين: و قد علمت ان الغاية فى فعله المطلق ذاته لا غير و فى افاعيله التفصيلية ايصالها الى كمالاتها و سياقتها الى غاياتها.
فانقسمت الافعال الصادرة عن قدرته تعالى و ارادته الى قسمين: قسم ينساق به الى المنتهى الّذي هو الغاية و الحكمة فى ايجاد الشيء و قسم يقف دون البلوغ الى
[١]. مرجعهما- م- د.