شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩٦ - الشرح
اذا عرفت ذلك فاعلم انه يحتمل ان يكون مراده بالمعرفة المرتبة الاولى من مراتب المعرفة و حينئذ يكون معنى قوله اوّل الدين معرفته ظاهرا، فان ذلك القدر اوّل متحصل فى النفس من الدين الحق، و يحتمل ان يكون مراده المعرفة التامة التى هى غاية المعارف و نهاية مراتب السلوك، و حينئذ يكون المراد من كونها اوّل الدين هو اوليتها فى العقل و هو اشارة الى كونها علة غائية، اذ العلة الغائية متقدمة فى الذهن على ما هى غاية له، و ان تأخرت فى الوجود الخارجى.
و بيان ذلك: ان المعرفة التامة التى هى غاية سعى العارف غير حاصلة له فى مبدأ الامر، بل يحتاج فى كمال ما حصل له من مراتب المعرفة، و تحصيل المعرفة التامة الى الرياضة بالزهد و العبادة و تلقى الاوامر الالهية بالقبول التى هى سبب تمام الدين، فيستعد أولا بسببها للتصديق بوجوده يقينا ثم لتوحيده عن الشريك ثم لاخلاصه عن القيود و الزوائد ثم لنفى كل ما عداه فيغرق فى تيار بحار العظمة، و كل مرتبة ادركها فهى كمال لما قبلها الى ان يتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما فى وسعه، و بكمال المعرفة يتم الدين و ينتهى السفر الى الله.
قوله ٧: و كمال المعرفة التصديق به. اعلم ان فى اطلاق الكمال هاهنا تنبيها[١] على ان معرفة الله مقولة بالتشكيك، اذ كانت قابلة للزيادة و النقصان و بيان ذلك:
ان ذات الله تعالى لما كانت بريئة عن انحاء التركيب لم يكن معرفته ممكنة الا بحسب رسوم الناقصة[٢] مركبة من سلوب و اضافات يلزم ذاته المقدسة لزوما عقليا، فتلك السلوب و الاضافات لما لم يكن متناهية لم يمكن ان يقف المعرفة بحسبها عند حد واحد، بل يكون متفاوتة بحسب زيادتها و نقصانها و خفائها و جلائها، و كذلك كمال التصديق به و بيان ذلك:
ان المتصور لمعنى الا له العالم عارف به من تلك الجهة، معرفة ناقصة تمامها الحكم بوجوده و وجوبه، فان التصور للشىء اذا اشتد يصير اذعانا و حكما بوجوده،
[١]. تبينها- م- ط.
[٢]. ناقصة- م- ط.