شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٥٥ - الفصل العشرون فى انه تعالى متفرد فى جميع جهاته و متوحد فى انحاء وحدته
اقول: و لكنّ الغرض من كلامه هذا ارفع و اجل من ان يكون القصد به الى نفى اقاويل المجسمة و من يحذو حذوهم، بل المراد من قوله: ليست له صفة تنال، نفى الصفة الزائدة، سواء كانت عقلية صرفة أو لا، و من قوله: و لا حدّ يضرب فيه الامثال، انه بسيط احدى لا ماهية له و لا جنس و لا فصل و لا حد له و لا برهان عليه، و من قوله:
كل دون صفاته تحبير اللغات، انه لا سبيل الى وصفه للعقول الكاملة و الاذهان الثاقبة[١] فضلا عن غيرهم.
و هذه مطالب شريفة اعلى منهجا من نفى الجسمية و التشبه بالسبيكة و البلور و نحوهما، و قد ذكرنا فى شرح هذه الكلمات ما ذكرنا مع قصور بضاعتنا.
قال: و قولهم، اى قول المشبهة: «متى ما لم تعقد القلوب منه على كيفية و لم ترجع الى اثبات هيئة لم يعقل شيئا و لم[٢] يثبت صانعا» و انما ذلك قولهم لانهم ضعفاء القوة العقلية، بل عادموها لاستغراق نفوسهم فى المحسوسات و لا يذعنون بما وراء المحسوسات و لا يثقون بما ليست له كيفية محسوسة او متخيلة او شكل و هيئة مقدارية، فلم يؤمن قلوبهم باللّه الواحد الاحد.
قال: «ففسر امير المؤمنين (ع) انّه واحد بلا كيفية و ان القلوب»، اى قلوب العارفين الموحّدين، «تعرفه بلا تصوير و لا احاطة»، اى لها ايّاه، لان كل محيط بشيء فهو اقوى وجودا و اجل رتبة من المحاط به، و هو تعالى اجل و اعظم رتبة من كل ما سواه فلا يكتنهه عارف، و غاية معرفة العارفين ان يقدسوه عن صفات النقص و الامكان و ينزهوه عن سمات الكثرة و التغير و عن المثل و الشبه و الضدّ و النّد و المكافئ فى الوجود، و كل ذلك سلوب و تقديسات لا يستلزم التصوير و الاحاطة.
قال: «ثم قوله (ع) الّذي لا يبلغه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن و تعالى الّذي ليس له وقت معدود و لا اجل ممدود و لا نعت محدود، ثم قوله لم يحمل فى الاشياء فيقال هو فيها كائن و لم ينأ عنها فيقال هو منها بائن، فنفى (ع) بهاتين الكلمتين صفة الاعراض و الاجسام، لانّ من صفة الاجسام التباعد و المباينة و هو من صفة الاعراض
[١]. العالية. النسخة البدل.
[٢]. فلم( الكافى).