شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٠ - الشرح
لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ[١] قال حتى يعرفهم ما يرضيه و ما يسخطه و قال فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها[٢] قال بين لها ما تأتى و ما تترك و قال إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً[٣] قال عرفناه اما آخذوا ما تارك و عن قوله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى[٤] قال عرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى و هم يعرفون و فى رواية بينا لهم».
الشرح
لما كان من دأب الرحمة الرحمانية و العناية الربانية ان يصدر عنه اقسام الموجودات و انواع الكائنات على اكمل ما يتصور فى حقها، و ان يعطى لكل نوع بعد اعطاء الوجود ما يحفظ به كماله الاول و يستدعى كماله الثانى كما قال تعالى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[٥]، اشار الى انه اعطى اصل وجوده و طبعه ثم افاد له أيضا ما يتهيأ و يهتدى به الى فضيلة زائدة من القوى و الآلات، فلكل نوع من انواع المكونات اعطى من خزائن رحمة الله ما يستعد به للوصول الى ما هو خير له و سعادة بالنسبة إليه و يحترز و ينفر عما هو شر و شقاوة له.
و لا شك ان الانسان اشرف هذه الانواع فإيتاء ما يستطيع به لطلب ما هو الخير و السعادة له اولى و اوجب، لكن لما كان كماله الخاص به امرا متميزا عن كمالات سائر الانواع الحيوانية من مأكول شهى او مشروب هنىء او منكوح بهي او غلبة على بنى جنس او غيرها من كمالات البهائم و السباع فليس خيره و سعادته مما يوجد فى هذا العالم، بل كماله و خيره فى العلم و الطّهارة اى التجرد عن الدنيا و ما فيها و التقرب إليه تعالى و ملكوته الاعلى، فيجب فى العناية الربانية ان يعطيه ما يهتدى به الى سبيل سعادته و طريق نجاته بان يعرف أولا و لو بوجه من الوجوه ما الا له و ما الملكوت و ما الآخرة و ما الاولى و ما السعادة و ما الشقاوة حتى يمكنه السعى و السلوك الى سعادته الاخروية.
[١]. التوبة/ ١١٥.
[٢]. الشمس/ ٨.
[٣]. الانسان/ ٣.
[٤]. فصلت/ ١٧.
[٥]. طه/ ٥٠.