شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٠ - الشرح
السادسة ان ليس لفعله تعالى غاية و غرض زائدتين على ذاته و انما الغاية و الغرض لافاعيل ما سواه من الفاعلين، و الغاية و الغرض اسمان لشيء واحد بالذات متغاير بالاعتبار، فالذى لاجله يفعل الفاعل فعله و يسأل عنه ب «لم» و هو يقع فى الجواب يقال له: الغاية، بالنسبة الى الفعل. فاذا قلت لبانى البيت لم تبنى البيت؟
فيقول فى جوابك: لاسكن فيه، فالسكنى غاية للبناء و غرض للبنّاء.
اذا علمت هذا فاعلم ان وجود الاشياء عنه تعالى من لوازم خيريته تعالى، ليس يريد بايجادها شيئا اخر غير ذاته، بل كونه على كماله الاقصى يقتضي ذلك، اذ كل فاعل يقصد فى فعله شيئا فذلك الشيء افضل منه و هو ادون منزلة من مقصوده، فلو كان للاول تعالى قصد الى ما سواه، اى شيء كان من ايصال خيرية او نفع او مثوبة الى احدا و طلب ثناء او شكر او محمدة او غير ذلك، لكان فى ذاته ناقصا مستكملا بقصده و ذلك محال، لان وجوده على اقصى درجات الفضل و الكمال، اذ كل كمال و شرف و فضيلة فهو رشح من رشحات وجوده فكيف يعود إليه من مجعولاته شيء من الفضيلة لم تكن فى ذاته؟ و أيضا لو كان له قصد زائد او لفعله غرض يلحق إليه بواسطة الفعل يلزم فيه الكثرة و الانفعال و قد ثبت انه واحد احد من كل وجه هذا خلف.
فاذن قد ظهر انه لا لمّيّة لفعله و لا يسأل عما يفعل، و كل فاعل سواه فله فى فعله غرض و لفعله غاية يطلبها هى لا محالة فوقه، و تلك الغايات متفاضلة متفاوتة فى الشرف على حسب تفاوت الفواعل، و الّذي عنده من الملائكة المقربين و من فى درجتهم من عباده المكرمين فلا غاية لفعله و عبادته و تسبيحه الا لقاء ذاته تعالى لا غير، و لمن دونهم من الملائكة السماوية و النفوس المدبرة غايات اخرى يشتاقون إليها و يتشبهون بها و يصلون إليها و هى بعد ذاته تعالى، و هكذا يتنازل الغايات حسب تنازل النفوس و الطبائع، حتى ان الجمادات و العناصر لها فى استحالاتها و حركاتها غايات طبيعية جعلها الله مركوزة فى ذاتها مجبولة على قصدها و طلبها وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها[١].
[١]. البقرة/ ١٤٨.