شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٧ - الشرح
قال: و هم لا يستكبرون، يعنى عن عبادة ربهم.
ثم وصفهم بالخوف ثم قال: فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ[١]، اى لا يملون، لان عبادتهم ذاتية ليست عن تكلف و مشقة، كل ذلك يدل على ان العالم كله فى مقام العبودية و الذل و التواضع الاكل مخلوق له قوة التفكر و ليس الا النفوس الوهمية الانسانية خاصة من حيث اعيان انفسهم لا من حيث طبائعهم و هياكلهم فانها كسائر افراد العالم فى مقام التسبيح و السجود، فاعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة، ا لا ترى انها تشهد على النفوس المسخرة هى لها يوم القيامة من الجلود و الايدى و الارجل و الالسنة و السمع و البصر و جميع القوى بما كانوا يفعلون؟
فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ[٢].
و قوله: وكلت عن ادراكه طروف العيون و قصرت دون بلوغ صفته اوهام الخلائق، قد مر تفسيره مرارا و كذا قوله: الاول قبل كل شيء و لا قبل له و الاخر بعد كل شيء و لا بعد له، و قد علمت ان قبليته تعالى و بعديته ليستا بالمعنى الزمانى حتى لا يجتمعا فى شيء واحد، بل اوليته كونه فاعلا لكل شيء و اخريته كونه غاية لكل شيء.
فاعلم انه كما افادنا النظر فى الوجود اثبات فاعل له لا فاعل قبله، كذلك افادنا اثبات غاية له لا غاية بعده، و يجب ان تكون تلك الغاية هى بعينها ما فرضناه فاعلا له، لانا وصفنا كلا منهما بالجلال الارفع و الكمال الاتم و ذلك يقتضي سلب الماهية عنهما و يستحيل ان يكون فى الوجود شيئان كل منهما لا ماهية له، فالله هو الاول و الاخر ليس كمثله شيء، منه ابتدأ الامر و إليه ينساق الوجود و هو العلة الفاعلية للوجود و هو العلة الغائية.
و قد تكرر فى القرآن الكريم بعبارات مختلفة فى آيات كثيرة كونه تعالى مرجع كل شيء و معاده و مصيره و كذا فى كلام امير المؤمنين و سيد الموحدين ٧ فى كثير من خطبه و رسائله، لانه مطلب عال و علم غامض شريف لا يتم توحيد الموحد الا بمعرفته و تحقيقه.
[١]. فصلت/ ٣٨.
[٢]. المؤمن/ ١٢.