شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٩٥ - الشرح
هكذا: اوّل الدين معرفته و كمال معرفته التصديق به و كمال التصديق به توحيده و كمال توحيده الاخلاص له و كمال الاخلاص نفى الصفات عنه.
فنقول: ان معرفة الصانع سبحانه على مراتب: فاولاها و ادناها ان يعرف العبدان للعالم صانعا مدبرا. الثانية ان يصدق بوجوده. الثالثة ان يترقى بجذب العناية الالهية الى توحيده و تفريده عن الشركاء. الرابعة مرتبة الاخلاص له. الخامسة نفى الصفات عنه و ارجاعها الى الذات و هى غاية العرفان و منتهى قوة الانسان، و فوق هذه الغاية غاية اخرى يختص بأولياء الكاملين المقربين ينالونها لا بقوة عقولهم بل بنور ربانى يريهم ان لا مؤثر و لا موجود بالاستقلال غير الله.
و يمكن ان يكون قوله: و كمال الاخلاص، اشارة الى هذه المرتبة، و حينئذ يكون نفى الصفات من لوازم هذه المرتبة لا من كمالاتها الفاضلة و يكون معنى قوله: و كمال الاخلاص نفى الصفات عنه، اى كماله بنفيها، و كل مرتبة من المراتب الاربع الاولى مبدأ لما بعدها من المراتب و كل مرتبة من المراتب الاربع الاخيرة منها كمال لما قبلها.
ثم ان المرتبتين الاولين مركوزتان فى الفطرة الانسانية بل فيما هو اعم منها و هو الفطر الحيوانية، و لذلك ان[١] الأنبياء : لم يدعوا الخلق الى تحصيل هذا القدر من المعرفة.
و أيضا فلو كان حصول هذا القدر من المعرفة متوقفا على دعوة الأنبياء و صدقهم، مع ان صدقهم مبنى على معرفة ان هاهنا صانعا للخلق ارسلهم الى الخلق، للزم الدور، و انما كانت اوّل مرتبة دعوا إليها من المعرفة هى توحيد الصانع تعالى و نفى الكثرة عنه المشتمل عليها اوّل كلمة نطق بها الداعى الى الله و هو قوله: لا إله الا الله، فقال ٦: من قال لا إله الا الله وجبت[٢] له الجنة. ثم لما استعدت اذهان الخلق لما نطقت به من التوحيد الظاهر نبههم على ان فيها قوة اعداد لتوحيد اعلى و اخفى من الاول فقال: من قال لا إله الا الله خالصا مخلصا دخل الجنة، و ذلك اشارة الى حذف كل قيد من درجة الاعتبار مع الوحدة المطلقة.
[١]. كان النسخة البدل.
[٢]. وجب- م- ط.