شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٧١ - الشرح
عروض امر غريب يجرى مجرى المرض و الخروج من الحالة الطبيعية، فيكون ميل الانسان إليها كشهوة اكل الطين التى هى غريبة بالنسبة الى المزاج الطبيعى لم يحدث الا لعروض مرض و انحراف عن المزاج الاصلى الجبلى[١].
و قد روى فى الحديث القدسى: انى خلقت عبادى كلهم حنفاء و انهم اتتهم الشياطين فاحتالهم عن دينهم.
فالطاعة هى الحنيفية التى تقتضيها ذواتهم لو لم تمسسهم ايدى الشياطين، فاذا مستهم ايديها فسد عليهم مزاج فطرتهم فاقتضوا اشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهى الالهى من الهيئات الظلمانية، و نسوا انفسهم و ما جبلوا عليه، فاتاهم رسول من الله يذكرهم عهد ذواتهم و يتلو عليهم آياتهم و يعود عليهم بتلك الهيئات التى كانت تقتضيها ذواتهم فصرفوا باللاحق الغريب و هى الصلاة و الزكاة و الصيام و صلة الارحام الى غير ذلك من الطاعات المفروضة.
فان كل ذلك دين الله الّذي دعى إليه عباده اجمعين فاطاعوه و تقلدوه طوعا و رغبة و حنينا و محبة، و لو لم يكن هذه الهيئات مما يقتضيها ذواتهم كانت دعوتهم إليها دعوة الى شقاوتهم، لان سعادة كل شيء ليست الا ما يقتضيه ذاته و لا شقاوته الا خلاف ما يقتضيه ذاته.
و انما كبرت الصلاة و ثقلت الطاعات على الناس لما انشب فيهم اظفارهم من العارض الغريب. بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ[٢]. وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي[٣] ... الآية.
فاما الخاشعون و هم الذين باشر انوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها، فان الله اذا تجلى لشيء خشع له فليست الصلاة كبيرة عليهم، و ذلك لتذكره العهد القديم عائدا الى فطرته الاصلية، كالمريض المنقطع عنه شهوة الطعام اذا عاد صحيحا، فانه صار يستدعى الطعام بما امكن له من الجهد بعد ما لم يتناول لقمة بتكليف المكلفين.
[١]. كل مولود يولد على الفطرة و ابواه يهودانه و ينصرانه و يمجسانه( نورى).
[٢]. المؤمنون/ ٧١.
[٣]. السجدة/ ١٣.