شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣ - الشرح
من جهة ما صدر منه ابتداء من خلق العالم و ما فيه و اسباب الكائنات و اعطاء المعايش و الارزاق، ثم اذا انشأ النشأة الآخرة و قضى بين اهل تلك النشأة بالحق استقر[١] كل طائفة من اهل السعادة و الشقاوة على منازلهم و درجاتهم من غير تجاوز عن حدودهم و مقاماتهم. و بالجملة ختم الامر و انقطع السّير و وصل كل ذى غاية الى غايته و لما قضى بين الملائكة بالحق قالت الملائكة: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق.
و هاهنا دقيقة و هى: ان الله سبحانه لما قضى بينهم بالحق فهم ما حمدوه لاجل ذلك القضاء بل حمدوه لصفة الواجبية و المبدئية و هو كونه رب العالمين، فان من حمد المنعم لاجل انعامه الّذي وصل إليه فهو فى الحقيقة ما حمد المنعم و انما حمد الانعام، فحمد الله بالحقيقة هو الّذي لاجل ذاته الموصوفة بصفة الكرم و الانعام و الربوبية المطلقة للعالمين، فالحامد بذلك الحمد قد وصل الى الجنة و النعيم بحق التوحيد[٢] هذا اى نسبة الحمد الى الملائكة اذا قلنا: ان قوله: وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ[٣]، شرح احوال الملائكة فى الثواب، اما اذا قلنا: انه من بقية شرح ثواب المؤمنين فتقريره ان يقال: ان المتقين لما قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ[٤]، فقد ظهر منهم انهم فى الجنة اشتغلوا بحمد الله و تذكره بالمدح و الثناء، فبين تعالى انه كما كانت حرفة المتقين فى الجنة الاشتغال بهذا التحميد و التمجيد فكذلك حرفة الملائكة الذين حافوا حول العرش الاشتغال بالتمجيد[٥] و التسبيح.
ثم ان جوانب العرش ملاصقة بجوانب الجنة و حينئذ يظهر منه ان المؤمنين المتقين و ان الملائكة المقربين يصيرون متوافقين على الاستغراق فى تحميد الله و تسبيحه و كان ذلك سببا لمزيد التذاذهم و ابتهاجهم بذكره تعالى و حمده.
فظهر ان ختم الله امور الدنيا و الآخرة بالحمد لنفسه، و معلوم ان افتتاح ايجاده
[١]. و استقر- م- ط.
[٢]. كذا فى جميع النسخ و الظاهر: التحميد.
[٣]. الزمر/ ٧٥.
[٤]. الزمر/ ٧٤.
[٥]. بالتحميد- م- د.