شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٩ - الشرح
علينا فى الازل قبل وجودنا، و معجونة فينا و قبل صدور افعالنا منا، فما بالنا لا نتساوى و لا نعادل فيها؟ و كيف نحترز عما لا يمكن الاحتراز و كيف نسعى فيما لا تأثير للسعى؟
و باى شيء يفضل السعيد على الشقى و قد تساويا فيما قدر لهما؟ ان القسمة لما اقتضت هذا التفضيل و كيف انتظم عدل الله فينا مع هذا التفاوت الواقع فى التفضيل و قد قال تعالى: وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[١]، وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ؟[٢]
فهذا القائل ان كان غرضه الالتزام و الاعتراض و تمهيد العذر فيما هو يصدده من الشرور و المعاصى فلا دواء له الا النار و هو المراد بقوله: ويل لمن يقول كيف ذا و كيف ذا؟ فان كان غرضه الاطلاع على كيفية صنع الله و معرفة حكمته فى خلق الاشياء و ربط اسبابها الى مسبباتها، فان لم يكن من اهل هذا الاطلاع و لا له استحقاقية ان يرتقى طائر فهمه الى هذا البقاع يقال له: اسكت فما لهذا خلقت، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ[٣].
و لو القى إليه شيء من هذا العلم لزاده حيرة و دهشة و شرا و وبالا و آفة و ضلالا، بل الصلاح و الخير فيه ان يلجم بلجام المنع عما لا يطيق الخوض فى غمرته. و ان كان ممن يكون زيت قلبه صافيا و نفسه زكية و طبعه لطيفا و ذهنه مستقيما فيجاب له او لا بمثل ما قال الشاعر.
|
هون على بصرى ما شق منظره |
فانما يقظات العين كالحلم |
|
اصبر صبرا جميلا و كن متعرضا لنفحة من نفحات رحمة الله مترصدا لفتح باب من ابواب فضله و حكمته، وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ[٤]، اقرع باب الرحمة بالدعاء و لا تيأس من روح الله اذا تأخرت الاجابة، فلست اوّل من زل فى هذا المقام و ارتاب، و استغفر من هذا الكلام ثم فهم فرجع و تاب، أ و لا تعتبر بحال موسى ٧ مع الخضر و اعتراضه عليه و انكاره بقتل الغلام او تتذكر قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً[٥]، و جوابه: أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً[٦]،
[١]. ق/ ٢٩.
[٢]. النحل/ ١١٨.
[٣]. الأنبياء/ ٢٣.
[٤]. طه/ ١١٤.
[٥]. الكهف/ ٧١ و ٧٤.
[٦]. الكهف/ ٧٥.