شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٩ - الشرح
الشر منه تعالى: ان الشرور الواقعة فى العالم انما هى من لوازم الخيرات الكثيرة، فلو تركت تلك الخيرات الكثيرة لاجل استلزامها لهذه الشرور لزم ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل و ذلك شر كثير كما مر.
فقوله: ليس هكذا اقول، اى لست اقول كما فهمت من كلامى ان الكفر مراد إرادة الله بالذات بل انما وقع فى إرادة الله بالعرض و على وجه اللزوم و الاستتباع، و إليه اشار بقوله: و لكنى اقول على انهم سيكفرون فاراد الكفر لعلمه فيهم، يعنى انه كان فى علمه تعالى انه لا يتم نظام الخير و بقاء الانواع و الاصناف بالتوالد و التناسل فى هذا العالم الا بوجود هذه الطبقة لغلظة طبائعهم و قساوة قلوبهم و دناءة هممهم القاصرة على طلب الشهوات و الدواعى الحيوانية فيهم يقع عمارة الدنيا و حرثها و زرعها، و كان فى علمه أيضا ان امثال[١] هذه النفوس لا تكون الا ظلمانية كافرة جاحدة لحقوق الله من الايمان و التوحيد، اعداء لاهل الله و اوليائه و علماء دينه و حكمته، فاراد كفرهم و طغيانهم لكونه لازما لاعيانهم و اشخاصهم و مع ذلك ليست ارادته لكفرهم إرادة حاتمة بهم الكفر بل إرادة متعلقة باختيارهم الكفر كما مر و هو قوله: و ليست إرادة حتم انما هى إرادة اختيار.
اعلم ان فى هذا المقام اشكالا و هو انكم قلتم: ان الشرور فى هذا العالم قليلة و انها وقعت فى قضاء الله و ارادته لكونه لازمة للخيرات الكثيرة، و نحن نرى فى نوع الانسان الّذي هو اشرف انواع الكائنات ان اكثر افراده الغالب عليهم بحسب القوة النظرية الجهل و بحسب العقل العملى طاعة الشهوة و الغضب و هى اضداد، ما ينبغى ان يكونوا فى الحياة الاجلة التى يستحقر بالقياس إليها هذه العاجلة، فيلزم كون الشر و الشقاوة فى هذا النوع الّذي هو اشرف الانواع اكثر من الخير و السعادة.
و الجواب: ان الجهل الّذي هو ضد اليقين يقال له الجهل المركب اعنى الهيئة الظلمانية الراسخة فى النفس امر نادر كوجود اليقين الّذي هو نور من انوار الله و العام الفاشى هو الجهل البسيط الّذي لا يضر كثير ضرر لكونه امرا عدميا، و كذا الكلام فى
[١]. امتثال- م- د- ط.