شرح أصول الكافي (صدرا) - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٥ - الشرح
الغاية و كان لكل منهما نسبة الى صفة القدرة و المشيئة فاستعير لتسمية البالغ الى المنتهى اسم المحبوب و لبلوغه إليه اسم السعادة و استعير لتسمية الواقف دون غايته اسم المبغوض و لحالته فى الوقوف اسم الشقاوة، فمن سبقت له المشيئة فى الازل ان تستعمله القدرة الالهية للانسباق[١] الى الغاية و الارتقاء الى الدرجة القصوى، وفقه الله لذلك هيئات له اسباب الوصول و يكون ذلك توفيقا و هداية و لطفا و رضا فى حقه، و من سبقت له المشيئة الازلية بالانقطاع عن الغاية و الاستيقاف به دون البلوغ الى الحكمة، و ذلك بتسليط الدواعى و البواعث عليهم، فيكون ذلك قهرا و خذلانا و غضبا فى حقهم و اضلالا، فهكذا كانت احوال الفريقين فى البداية و النهاية: فَرِيقاً هَدى وَ فَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ[٢]، وَ مَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ[٣]، وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ[٤]، و من يضلله فلا هادى له من بعده. و كل ذلك بتقدير رب الارباب و مسبب الاسباب، و لم يكن شيء من ذلك بخارج عن قانون القضاء و لا عن اتفاق و بخت و جزاف بل عن إرادة عازمة و حكمة لازمة و حكم جزم و قضاء حتم، ففاضت بحار المقادير بحكم ذلك القضاء المتحتم بما سبق به التقدير.
و قد مر سابقا: ان القضاء بإزاء الامر الواحد الكلى و لفظ القدر بإزاء التفصيل الغير المتناهى، فهاهنا موضع الحظر و الزلل لاكثر العباد، ان القسمة لما ذا اقتضت هذا التفصيل و اين انتظم العدل مع هذا التفاوت و التفصيل؟[٥] و كان بعضهم لقصوره لا يطيق ملاحظة هذا الامر و لا يحتمل كشفه فالجموا عما لم يطيقوا فهمه و لا يحتملون كشفه بلجام المنع فقيل لهم: اسكتوا! فما لهذا خلقتم و لا بذلك امرتم لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ[٦].
و من كانت مشكاة قلوبهم ممتلئة نورا مقتبسا من نور الله فى السموات و الارض و كانت زيتهم أولا صافيا يكاد يضيء و لو لم تمسسه نار، فمسته نار فاشتعل نورا على نور، فاشرقت اقطار ارض الملكوت بنور ربها بين ايديهم، فادركوا الامور كما هى عليه
[١]. للانسياق- م- د.
[٢]. الاعراف/ ٣٠.
[٣]. الحج/ ١٨.
[٤]. الكهف/ ١٧.
[٥]. التفصيل- م- د.
[٦]. الأنبياء/ ٢٣.