كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٧١ - الفصل الأربعون عدم مناسبة وجود الله تعالى و صفاته لوجودنا و صفاتنا
فنحن نرى تصرّفه فينا ضرورة ما نحتاج معها إلى استدلال.
و كم قد كرر جلّ جلاله فناءنا، و اعادتنا بعد الفناء بنطف أخذها من ظهور الآباء، ثم امهاتهم، و أعاد منهم صورة الأبناء.
و كم قد أنطق العقول بشهاداته، و أنه لو كان وجود ذاته، أو شيء من صفاته بغير ذاته، كان ذلك. طعنا في دلالتها على كماله و مقتضيا لزواله. فلما دلنا بذلك و أمثاله على أن وجوده بذاته، اقتضى ذلك أنه لا أوّل له و لا آخر له، و اقتضى علمه بذاته أن لا يبقى معلوم إلّا أحاط بكلياته و جزئياته، و اقتضى كونه قادرا لذاته أن لا يبقى مقدور إلّا قدر عليه.
و اقتضى غناه بذاته أنه يستحيل الفقر عليه؛ لأن تقدير فقره في شيء يحتاج إليه يضاد فطرة العقول فيما حكمت به و هجمت عليه في كماله، لأن الفقير مضطر إلى ناظر في فقره، و جابر لكسره، و إلى مؤثّر آخر قام بأمره. و كذلك كونه حكيما؛ لأن ترتيب الدنيا و ما فيها من العجائب الظاهرة، و تعلق بعضها ببعض في فوائدها الباطنة و الظاهرة دالة دلالة قاهرة[١] على أن فاطرها ذو حكمة باهرة.
و كذلك ما نطق به القرآن الشريف من أنه مريد و كاره و سميع و بصير، و أنه يغضب و يرضى و يسخط[٢]. و كل صفة ورد بها كتاب اللّه من كتبه الشريفة، أو صحّ نقلها عن الأنبياء و الأوصياء و الأولياء العارفين بصفاته المقدّسة و المنيفة، فإنّها لا تشبه صفاتنا و لا صفات المحدثات.
و لو كانت مدركة أو منجّزة أو مشبهة للمنجّزات في حقيقة أو صفة أو جهة من الجهات، افتقرت إلى قادر منزه عن تلك النقيصات، بل ذاته جلّ جلاله و صفاته غير مدركة بالعقول و التوهّمات.
و كيف يدرك من حقيقته جلّ جلاله ليس لها كيفية فتدرك، و لا طريق للعقول إليها فتسلك، و قد عجز كثير من العقلاء عن فهم حقيقة العقل و الروح
[١] في نسخة( ض): باهرة قاهرة.
[٢] في نسخة( ع): و يحب و يسخط.