كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٧٩ - الفصل التاسع و الخمسون و المائة بيانه لمعنى قول الإمام علي(ع) «ما كان يلقى في روعي كذا و كذا»
أقول: و يحتمل أن يكون مراده عليه السّلام بقوله: «ما كان القى في روعي و لا عرض في بالي» أن أوجه الناس إلى غيره، أي أن وجوه الناس و أعيانهم يرضون بالتقية، و يحبون الحياة الدنيوية، و يوافقون الرعاع و الطغام على ما استعجلوا به في السقيفة مع قرب عهدهم بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و بالاسلام، و حقوقه التي لا يحسن جحودها عند ذوي الأفهام.
و لقد رأيت في تواريخ أهل الوفاء أن هرمزا مات و لم يخلّف ولدا ذكرا، و انّما خلّف حملا فوفّى أصحابه له حتى وضعوا تاج الملك على بطن امرأته الحامل و ترقبوا ولادتها حتى ولدت، و ملّكوا ابنته عليهم.
و لقد رأيت في التواريخ أن جماعة من الملوك لم يخلّفوا ذكرا و خلفوا امرأة، فوفوا لمن أحسن اليهم و ملّكوا ابنته عليهم.
و لقد رأيت في التواريخ أن خلفاء بني العباس بايع أولياؤهم جماعة من أولادهم بالخلافة و هم أطفال غير بالغين وفاء لاحسان آبائهم الماضين.
و لقد رأيت في التواريخ و في حياتي من أولاد المشايخ المتقدمين في رباط أو مسجد أو مقام من المقامات، يراعى أولادهم و يرتبون في مقامهم و إن كانوا غير كاملي الصفات وفاء للأموات، فلأي حال كان محمد صلّى اللّه عليه و آله عندهم دون طبقة من تلك الطبقات و هو كما قال مهيار رحمه اللّه:
|
ما برحت مظلمة دنياكم |
حتى أضاء كوكب في هاشم |
|
|
بنيتم به و كنتم قبله |
سرا يموت في ظلوع كاتم |
|
|
و صار كل ملك مسالم |
يقول: هل من ملك مقادم |
|
و أنّهم يتركونه قبل دفنه و الصلاة عليه، و قبل اقامة حقوق مأتمه و مصيبته و الحزن عليه، أ يجازونه بإهمال حقوق احسانه و تصغير شأنه و التعصب على عترته العزيزين عليه.
هذا ما كان القى في روعه و لا روع أحد من العارفين، و إنّما عرّفه به سيد المرسلين عن ربّ العالمين جلّ جلاله صلوات اللّه عليه و على عترته الطيّبين