كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ٢٥١ - الفصل الخامس و الخمسون و المائة رسالة الإمام علي(ع) إلى شيعته و من يعز عليه
وَ لَا يَسْتَطِيعُ مَنْ خَذَلَهُ أَنْ يَقُولَ: «نَصَرَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي».
وَ أَنَا جَامِعٌ أَمْرَهُ: اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الْأَثَرَةَ وَ جَزِعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الْجَزَعَ، وَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [بَيْنَنَا «خ»] وَ بَيْنَهُ، وَ اللَّهِ مَا يَلْزَمُنِي فِي دَمِ عُثْمَانَ تُهْمَةٌ [ثُلْمَةٌ «خ»] مَا كُنْتُ إِلَّا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْمُهَاجِرِينَ فِي بَيْتِي (كَذَا) فَلَمَّا قَتَلْتُمُوهُ أَتَيْتُمُونِي تُبَايِعُونِّي فَأَبَيْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ، فَقَبَضْتُ يَدِي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَ بَسَطْتُهَا فَمَدَدْتُمُوهَا ثُمَّ تَدَاكَكْتُمْ عَلَيَّ تَدَاكَّ الْإِبِلِ الْهِيمِ عَلَى حِيَاضِهَا يَوْمَ وُرُودِهَا[١] حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّكُمْ قَاتِلِيَّ وَ أَنَّ بَعْضَكُمْ قَاتِلُ بَعْضٍ، حَتَّى انْقَطَعَتِ النَّعْلُ وَ سَقَطَ الرِّدَاءُ، وَ وُطِئَ الضَّعِيفُ وَ بَلَغَ مِنْ سُرُورِ النَّاسِ بِبَيْعَتِهِمْ إِيَّايَ أَنْ حَمَلَ إِلَيْهَا الصَّغِيرُ وَ هَدَجَ إِلَيْهَا الْكَبِيرُ وَ تَحَامَلَ إِلَيْهَا الْعَلِيلُ وَ حَسَرَتْ لَهَا الْكِعَابُ[٢].
[١] التّداكّ و التّداكك: التّدافع الّذي يقع بين المتزاحمين الواردين على شيء واحد، فإنّ كلّ واحد منهم يدكّ الآخر بمقاديم بدنه ليدفعه و يستقلّ هو بالمورود، و الهيم: العطاش. و جمعه هيماء- كعين و عيناء- و الورود:
النّزول. و مثله في المختار( ٢٢٤، أو ٢٢٦) من خطب النّهج، و كذا في المختار( ٥٣) منها:« يوم وردها» و هو أيضا يعطي معناه، إذ« الورد» يستعمل في الإشراف على الماء. و في العطش. و في الماء الّذي يورد. و في النّصيب منه. و في يوم شرب الماء.
[٢] و هذا قريب جدّا ممّا في المختار( ٢٢٤، أو ٢٢٦) من خطب نهج البلاغة، إلّا أنّ فيها:« ان ابتهج بها الصغير» و ما هنا أبلغ، إذ حمل الصّغار لبيعته( ع) يكشف عن فرط رغبة أوليائهم لبيعته، و تبرّكهم بها، و لهذا حملوا أولادهم معهم لبيعته( ع).
و أمّا تفسير ألفاظه( ع) فيقال:« هدج- هدجا» الظليم: مشى في ارتعاش. و هدجت النّاقة: حنّت على ولدها. و الفعل من باب ضرب. و تحامل في الأمر و بالأمر و إلى الأمر: تكلّفه على مشقّة. و« و حسر كمّه عن ذراعه»- من باب ضرب و نصر-: رفعه و كشفه. و« حسرت الجارية خمارها عن وجهها»: أسفرت و أبرزت وجهها برفع الخمار. و« الكعاب»- كحساب و كتاب- جمع الكعب- كفلس- و هو كلّ مفصل للعظام.
و يراد منه هنا: الرّكبة أو السّاق لمجاورته الرّكبة و العظمان النّاشزان من جانبي القدم، فإنّهما أيضا يطلق عليهما الكعب. و« الكعاب»- كسحاب و سراب-: الجارية حين يبدو ثديها للنّهود، و هي الكاعب- بلا هاء- أي أنّ الجواري كشفت عن وجهها متوجّهة إلى بيعته عليه السّلام لتعقدها بلا استحياء، لشدّة الرّغبة و الحرص على إتمام الأمر لأمير المؤمنين عليه السّلام. كذا أفاد الاستاذ محمد عبده في تعليقه على نهج البلاغة، و هذا المعنى على ما أختاره من ضبط« الكعاب» على زنة سحاب، و أمّا بناء على كونه على زنة الكتاب و الحساب، فالمعنى أنّ النّاس- رجالا و نساء صغارا و كبارا- لغاية فرحهم و نهاية عنايتهم و فرط شعفهم بخلافة أمير المؤمنين عليه السّلام كشفوا عن ساقهم و شمّروا ذيلهم مسرعين إليه( ع)- كمن يعدو إلى محبوبه الّذي قد تألّم بفراقه في برهة و آيس من حياته و وصاله ثمّ بشّر بمجيئه و إنّه على شرف اللّقاء- ليكونوا أوّل فائز بهذه المكرمة، ليتمّوه أو ليحكموه قبل سريان الفساد، و فوات الوقت، و عليه ف« حسرت» مبنيّ للمفعول. و غرضه عليه السّلام من الكلام أنّ الأمّة بايعته مختارة مشتاقة من غير استدعاء منه عليه السّلام. و ما أقرب كلام ابن عمّ عديّ بن حاتم لما وصف بيعته عليه السّلام بالشّام لمعاوية، لما ذكره( ع) هنا، قال ابن عمّ عديّ:« ثمّ تهافت النّاس على عليّ بالبيعة تهافت الفراش حتّى ضلّت النّعل، و سقط الرّداء، و وطئ الشّيخ- إلى أن قال:- فحملوا إليه الصّبيّ، و دبّت إليه العجوز، و خرجت إليه العروس فرحا به و سرورا و شوقا إليه» الخ.