كشف المحجة لثمرة المهجة - السيد بن طاووس - الصفحة ١٦٣ - الفصل الرابع و العشرون و المائة مخالطته للناس في داره فقط بعد استخارته لله تعالى في ذلك
عن مخالطتهم بالقوة الإلهية و الأنوار الربانيّة، تنظر بها خطر شواغلهم عن اللّه جلّ جلاله بمعاشرتهم، أنّه يقتضي التصنّع لهم في حركاته و سكناته و ملبوسه، و قيامه و جلوسه، و الاشتغال باقامة ناموسهم عن حرمة اللّه جلّ جلاله و عظيم ناموسه.
و لقد قال لي بعض العلماء المشكورين: لأي سبب تترك مجالستنا و محادثتنا و أنت تدعونا و تقرّبنا إلى ربّ العالمين.
فقلت له ما معناه: لأنني لو رأيت نفسي قوية كل أوان و زمان على أن اجالسكم و احدّثكم، و أنا مشغول في حال مجالستكم و محادثتكم بمجالسة اللّه جلّ جلاله و محادثته بقلبي و سريرتي، و أنكم في ضيافة اقبالي على حرمته بكليتي، كنت جالستكم و حدثتكم في كل وقت ممكن من الأوقات. و لكن أخاف أن احدّثكم أو اجالسكم و قلبي تارة ملآن منكم، و مفرغ من تذكاري انني بين يدي اللّه جل جلاله، فأعتقد ذلك كالكفر إذا عزلته عن ربوبيته و ولايته، و وليتكم و أنتم مماليكه عليه و على قلبي الذي هو موضع نظره و مسكن معرفته.
و إن جالستكم و حدّثتكم و قلبي تارة معكم و تارة معه، اعتقدت ذلك شركا و هلكا، حيث جعلت موقعكم من قلبي موقعه.
[الفصل الرابع و العشرون و المائة: مخالطته للناس في داره فقط بعد استخارته للّه تعالى في ذلك]
(الفصل الرابع و العشرون و المائة) و اعلم يا ولدي محمد مكّنك اللّه جلّ جلاله من مراده، و ألهمك الانقياد إليه و المنافسة عليه، أني عزمت على الانقطاع من كل شيء يشغلني عن ربّ العالمين عن الخلائق أجمعين، و حضرت مشهد جدك أمير المؤمنين عليه السّلام، و استخرت اللّه جلّ جلاله في ذلك استخارة على اليقين، فاقتضت الاستخارة أنني لا أترك مخالطتهم في مسكني بالكلّية، فأنا اخالطهم إذا حضروا باللّه عزّ و جلّ في أوقات أرجو فيها سلامتي مع الجلالة الربانيّة، و إذا رأيت روحي مشغولا بهم أدنى اشتغال تركت محادثتهم في الحال.