شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١٦ - كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى و فيه الإشارة إلى أمر فدك،و ما جرى على فاطمة عليها السّلام
يذلّه الدنيا و يستعبده أهلها و مهما اتّبع شهوته فيما تمثّل إليه فإنّها تذلّه أشدّ إذلال و تستعبده أقوى استعباد كما قال عليه السّلام:عبد الشهوة أذلّ من عبد الرق.و استعار وصف إسلاس القياد للتسهيل في متابعة النفس العاقلة للنفس الأمّارة و عدم التشدّد في ضبطها باستعمال العقل عن متابعتها.
الثامن عشر:
أقسم ليوقّعنما صمّم عزمه عليه و هو بصدده من رياضة نفسه.
و وصف تلك الرياضة في قوّتها باستلزام أمرين:
أحدهما:كون نفسه يهشّ معها إلى القرص و ترضى به إذا قدرت عليه مطعوما و تقنع بالملح مأدوما.و تلك رياضة القوّة الشهويّة،و لمّا كانت عدوّا للنفس و أكثر الفساد يلحق بسبها خصّها بالذكر و قوّة العزم،و يحتمل أن يريد رياضة جميع القوى و إنّما وصفها بكون النفس تهش معها إلى القرص لأنّ ضبط الشهوة أعظم من ضبط سائر القوى و أصعب و كانت الإشارة إلى ضبطها إلى الحدّ المذكور أبلغ في وصف الرياضة بالشدّة،و استثنى في يمينه بمشيئة اللّه أدبا لقوله تعالى «لاٰ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ» ١و تنبيها على استناد جميع الامور في سلسلة الحاجة إلى اللّه تعالى .
الثاني:كونه يدع مقلته في تلك الرياضة كعين ماء نضب ماؤها،و وجه الشبه أن يفنى دموعها و يستفرغها بالبكاء شوقا إلى الملأ الأعلى و ما اعدّ لأولياء اللّه من السعادة الأبديّة و خوفا من حرمانها.و من كان في مقام الغربة و محلّ الوحشة كيف لا يشتاق إلى وطنه الأصليّ و مقام انسه الأوّلىّ.و مطعوما و مأدوما و مستفرغة أحوال . تشبيه ثمّ أخذ في تمثيل نفسه بالسائمة و الربيضة على تقدير أن يرضى بمثل حالهما و غايتهما من الدنيا في معرض الإنكار لذلك الرضا من نفسه،و الأصل في ذلك التمثيل البهيمة،و الفرع هو عليه السّلام،و المشترك الجامع هو الرعى و الشبع و البروك و النوم و الراحة.و لمّا كان الأصل المقيس عليه في غاية من الخسّة بالقياس إلى
١) ١٨-٣٤.