شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦ - الفصل الثاني منها
شديد الاهتمام بحاله ليكون ذلك أدعى لقبول وصيّته و هو كالتوطئة و التمهيد لها.
ثمّ أعلمه أنّ فيما تبيّن له عليه السّلام من الأمور المذكورة قرب رحيله إلى اللّه و ذلك هو الّذي وزعه و منعه عن ذكر ما سواه و الاهتمام بما وراءه من المصالح المتعلّقة بصلاح الخلق و نظام العالم.إذ كان ذلك هو وقت التضيّق على الإنسان فيما هو أهمّ عليه من الاستكمال بالفضايل و الاستعداد للقاء اللّه دون ما سبق من أوقات الشبيبة و استقبال العمر لاتّساعها لصلاح حال الغير و الاشتغال بالامور المباحة،غير أنّه حين تبيّن له ذلك و تفرّد به همّ نفسه دون غيرها ،و من صدّقه رأيه بكشفه له عمّا ينبغي أن يكون اشتغاله به من أمر نفسه و وجوب العمل لها فيما يهمّها،و صرفه عن هواه فيما يخرج عنها.إذ كان أجود الآراء و أصدقها في الأمر عنده شدّة،الاهتمام به،و صرّح له خالص أمره و ما ينبغي له،و انتهى به إلى جدّ و صدق خالصين من شائبة اللعب و الكذب. كناية وجده عليه السّلام بعضا منه و هو كناية عن شدّة اتّصاله به و قربه منه و محبّته له كما قال الشاعر:
و إنّما أولادنا
بيننا أكبادنا يمشى على الأرض
بل وجده كلّه:أى عبارة عن كلّه.إذ كان هو الخليفة له و
القائم مقامه و وارث علمه و فضائله، تشبيه و دلّ على شدّة قربه منه و أنّه بمنزلة
نفسه بذكر الغايتين في قوله:
حتّى.إلى قوله:أتانى ،و وجه التشبيه بين ما يصيب ولده و بين ذلك الشيء و إن لم يصبه عليه السّلام شدّة تألّمه به .
و اعلم أنّ ذلك الوجدان و إن كان له طبعا كما يحصل للوالد في أمر ولده لكنّه ممّا لزم التفطّن له في آخر العمر عند تذكير انقطاع الدنيا لما في طبعه من محبّة بقاء الذكر الجميل و الحرص على دوام الخير و الآثار الصالحة في العالم و لذلك جعله لازما لتفرّد همّ نفسه به و صدق رأيه في النصيحة،و روى:محض.مرفوعا على الفاعليّة و منصوبا بإسقاط حرف الجرّ،و التقدير عن محض أمري،ثمّ نبّه على أنّ من لوازم وجدانه لما وجده من أمره أن عناه و أهمّه منه ما يهمّه من أمر نفسه فكتب إليه هذه الوصيّة ليكون له ظهرا و مستندا يرجع إلى العمل بها في