شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٩٨ - باب المختار من حكم أمير المؤمنين عليه السّلام
كأنّ كلاّ منهما يضرع للآخر .
[المعنى ]
و ظاهر أنّ مصانعة الغير يستلزم طلب رضاه و ذلك يمنع من إقامة حدود اللّه و أمره في حقّه،و كذلك المضارعة و اتّباع المطامع من الغير فإنّهما يستلزمان ترك مواجهته بما يشقّ عليه من أوامر اللّه و حدوده.
١٠٣-و قال عليه السّلام:
«و قد توفى سهل بن حنيف الأنصارى بالكوفة بعد مرجعه معه من صفين،و كان من أحب الناس إليه:
لَوْ أَحَبَّنِي جَبَلٌ لَتَهَافَتَ قال الرضى:و معنى ذلك أن المحنة تغلظ عليه فتسرع المصائب إليه و لا يفعل ذلك إلا بالأتقياء الأبرار و المصطفين الأخيار،و هذا مثل قوله:
«و قد يؤول ذلك على معنى آخر ليس هذا موضع ذكره».
[اللغة]
أقول: تهافت : سقط قطعة قطعة ،
[المعنى ]
و ذلك مبالغة في كثرة ما يلحقه و محبّيه من المصائب و الابتلاء .
و قوله: من أحبّنا فليستعدّ للفقر جلبابا :
أي يهيّىء له ذلك. استعارة و الجلباب مستعار لتوطين النفس على الفقر و الصبر عليه، و وجه الاستعارة كونهما ساترين للمستعدّ بهما من عوارض الفقر و ظهوره في سوء الخلق و ضيق الصدر و التحيّر الّذي ربّما يؤدّي إلى الكفر كما يستر بالملحفة، و لمّا كانت محبّتهم عليهم السّلام بصدق يستلزم متابعتهم و الاقتداء بهم و الاستشعار بشعارهم و من شعائرهم الفقر و رفض الدنيا و الصبر على ذلك وجب أن يكون كلّ محبّ لهم مستشعرا للفقر و مستعدّا له جلبابا من توطين النفس عليه و الصبر .و قد ذكر ابن قتيبة هذا المعنى بعبارة اخرى فقال:من أحبّنا فليقصر على التعلّل من الدنيا و التقنّع فيها.قال:و شبّه الصبر على الفقر بالجلباب لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب