شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٥ - الفصل السادس منها
الاعتبارات المذكورة أمره أن يفعل كما ينبغي أن يفعله من هو مثله في النقصان بالنسبة إلى عظمة اللّه سبحانه فيطيعه حقّ طاعته و يعبده بكمال عبادته و كما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله،و عدّد له وجوه النقصان ليعتبر حاله في كلّ منها بالقياس إلى كمال ذاته تعالى ليعلم صغر منزلته بالنسبة إلى عظمته تعالى،و قلّة مقدرته و كثرة عجزه بالنسبة إلى كمال قدرته.و كذلك عظم حاجته إلى ربّه في كلّ حال من طلب توفيقه و إعداده لطاعته و الرهبة من عقوبته و الإشفاق من سخطه كلّ ذلك بالنسبة إلى غنائه المطلق في كلّ شيء عن كلّ شيء.
و قوله: فإنّه .إلى قوله: قبيح .
تنبيه إجماليّ على وجوب طاعته تعالى في كلّ ما أمر به و نهى عنه.و جذبه إلى فعل كلّ مأمور به بكونه حسنا و إلى الانتهاء عن كلّ شيء منهىّ عنه بكونه قبيحا.
و قد علمت أنّ الغاية من بعثة الرسل و وضع الشرائع و السنن هي نظام أحوال الخلق في معاشهم و معادهم.فلا بدّ إذن في كلّ أمر أو نهى من سرّ و حكمة يوجب حسن المأمور به و قبح المنهىّ عنه،و لهذا الكلام و نحوه تعلّقت المعتزلة بمسألة الحسن و القبح العقليّين،و باللّه التوفيق.
الفصل السادس:
قوله:
يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَ حَالِهَا- وَ زَوَالِهَا وَ انْتِقَالِهَا- وَ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَ مَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا- وَ ضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ- لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَ تَحْذُوَ عَلَيْهَا- إِنَّمَا مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ- نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ- فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَ جَنَاباً مَرِيعاً- فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَ فِرَاقَ الصَّدِيقِ- وَ خُشُونَةَ السَّفَرِ وَ جُشُوبَةَ المَطْعَمِ- لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَ مَنْزِلَ قَرَارِهِمْ- فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً- وَ لاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً- وَ لاَ شَيْءَ أَحَبُّ