غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٩ - المبحث الخامس فيما يراد من الصيغة وما تدل عليه بنفسها مع الضميمة وفيه مطالب
وربما ظهر من بعضهم أن محل البحث في نفس الدلالة اللفظية وسنتكلم على وفق ما دل عليه كلام المشهور لحصول الثمرة الفقيه بناءً على التعميم.
إذا عرفت هذا فنقول الحق عندنا إن الأمر لا يشعر بفور و لا تراخي من جهة نفسه بل إنما وضع لطلب الماهية ونسبة الفور والتراخي كنسبة الشدة والضعف والمكان والزمان إلى غير ذلك على نحو ما مر في بحث الوحدة والتكرار ولكن لما كان الغالب إن الطالب لشيء يتشوق إليه ويطلبه على الفور وقد تحصل مظنة حالية تقتضي ذلك نعم إذا قامت قرينة قاطعة على الفور كالأمر بالسقي وإنقاذ الغريق ودفع الضرر عن الأمر وقتل الأفعى ونحو ذلك فلا كلام وليس من محل النزاع في شيء، وأما أصل الصيغة مع قطع النظر عن هذه الأشياء فلا اقتضاء لها لا لفظاً ولا معنى و لا باعتبار لزوم القصد، أما الأول فلعدم الفهم من اللفظ وأما الثاني فلأنه لا ملازمة بين طلب الفعل والتزام الفورية يقيناً وكذا لا يلزم من قصد المتكلم ثم ليس هذا دليل خارجي يدل على ذلك كما سيبين لك في حجج الخصم إنشاء الله تعالى. ولنا أيضاً إن القيدين بنسبة واحدة فيقال أفعل ويفعل بعد غد وافعل ويفعل الآن بغير تفاوت ولا ترجيح والحاصل إن الإتيان بالفعل في جميع الأوقات بنسبة واحدة في حصول الامتثال بكل منهما، ولنا أيضاً إن أهل اللغة حكموا بالمساواة بين الخبر والأمر إلا في الخبرية والأمرية ومقتضاه وحدة الدلالة من كل وجه ولا ريب في أن الخبر لا إشعار له بخصوصه بزمان أصلًا. هكذا استدل العلامة في النهاية وعليه فإن الظاهر من الحكم الاتصاف حين النطق لا مع قرينة داخلية كما في وضع لخصوص زمان.
أو خارجية وهي كثيرة؛ احتج أهل التكرار بوجوه
أحدها: لو قال السيد لعبده اسقني ماءً فأخر السقي عد عاصياً وذمه العقلاء على التأخر فلو أنهم فهموا الفور من مجرد الأمر لما وقع الذم منهم إذْ ليس في كلام السيد قرينة خارجية تقتضي ذلك.
الثاني: قوله تعالى [مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ] ذمه على ترك السجود عقب الأمر معللًا بأنه خلاف مقتضى الأمر وإن يكن للفور لاعتذر إبليس بأنك لم توجب عليّ فوراً.
الثالث: [سَارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مَنْ رَبّكُم].