غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٧ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
الغيرية فمسلم ولا يلزم منه سوى حكم الشارع بها وهذا إجماعي لا كلام فيه وإن عنيت حكمه بأنه مصلحة خالية من المفسدة بل صلاح من كل وجه فهو في محل المنع إذ اللابدية الغيرية لا تزاحم المفسدة من وجه آخر وعلى تقدير لزوم الخلو عن المفاسد فلا يلازم الأمر به وطلبه لعدم المصلحة فيه سوى إيصاله وهو عائد إلى المكلف ولزومه عليه شرعاً كلزوم الحركة والسكون عقلًا فكما أن العقل لا يوجبهما وإن حكم بلابديتهما فكذا الشرع فيما حكم بلابديته وعلى تقدير لزوم الوجوب إن عنيت به الإيجاب الخطابي فهو محل منع وإن عنيت النفس الأمري فلا ينفع إذ البحث في غيره وعلى تقدير لزوم الخطابي فكونه محصلًا من نفس الأمر أيضاً غير معلوم وهو المدعى والكلام في هذا مبني على ما مر من تغير معنى الاقتضاء فتفطن.
الوجه الثالث في الحجج: أنها اذا لم تكن من الواجبات الشرعية فهي من المباحات
كذلك فيلزم إباحة الشارع لها وهو باطل للزوم القبيح وذلك إنا لا نرتاب في قبح الأمر بالكتابة مع إباحة ترك الإتيان بالقلم والدواة وأمثالهما من المقدمات حتى لو صدر ذلك من مكلف لذمه العقلاء وعدوا إباحته منها وعبثاً وهو ظاهر. فعلى هذا لا يجوز أن يأمر واجب الطاعة رعيته بفعل ويجيز لهم ترك المقدمات الموقوف عليها وحاصله أما بعد أن نحكم بعدم الوجوب فيها دارت بين الأحكام الأربعة والثلاثة الأخرى منفية إجماعاً فيبقي الإباحة ويلزم المحذور وهو المراد.
وفيه أنه إن أراد لزوم وضع الإباحة للمكلفين بحيث يعلمهم ذلك منعنا الملازمة وإن أراد الإباحة النفس الآمر به قلنا بها ولا قبح، وبتقرير آخر إن الإباحة إن أريد بها كون الشيء في نفسه كذلك فلا مضايقة ولكن هذا لا يقتضي جواز التصريح إذ يظهر منه جواز الترك من كل وجه وهو خلاف المفروض وإن أريد كونه مباحاً جائزاً لترك لنفسه وغيره فغير لازم.