غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٦ - المبحث الثاني في تحسينه وتقبيحه
الجانبين أي على الواجب تعالى وعلى المنتفعين، وذلك لأن المأخوذ في محل النزاع الجهل بالحال إذْ لو علم بالحسن لم يبق محذور على أن العلم في أكثر المنافع بل كلها متعذر إذْ يجوز العقل في كل مأكول أن يكون فيه فساد كالخمر وكل ملبوس أن يكون فيه ذلك كالحرير والذهب على الرجال إلى غير ذلك.
والحاصل معظم الفساد الأخروي من خواص علم الغيب قبل الشرع ومتى احتمل الفساد حرم الانتفاع لوجوب دفع احتمال الضرر. وقد يجاب عن هذا الإشكال من أصله بأن نسبة المحظورات إلى المباحات أقل من عشر العشر فيضعف الاحتمال والعقل إنما يوجب دفع الضرر المحتمل دون الموهوم بالوهم الضعيف حتى كاد لا يسمى احتمالًا عند العقلاء وهذا كمن وجد ثمرة أو تمرة أو غير ذلك من المأكول جاز له تناوله وإن كان يجوز أن فيها سماً ومنعه عدوه أو غيره لغيره وإذا انتفع لا يذمه العقلاء يقيناً.
وفي هذا الجواب نظر من وجهين أما (أولًا) فلأنا لا نسلم أن تلك المحرمات بهذه النسبة بل هي كثيرة في حق المباحات، و (ثانياً) بأن هذه القلة إنما استفيدت بعد الشرع أما قبله فيجوز أن يكون الأمر بالعكس والحاصل هذا الدليل أن أبقي على ظاهره فكما ترى وإن رجع إلى دليلنا الأول صار له وجه ويراد بالقطع فيه المظنة التي تطمئن بها النفس لقضاء العادة استقام لكن سوق كلامهم يأبى ذلك، ويمكن إصلاحه بما سنذكره في الدليل الرابع وإن لم ينطبق عليه والله أعلم.
رابعاً: حكم العقل بأن الشارع لو حظر أمراً مما توجهت إليه نفوسنا لبينه إذْ ذلك لازم في السياسة والنظام فعند عدم التكليف يعلم عدم الحظر ويؤيد هذا ما يفهم من قوله تعالى [وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا] وجه الدلالة أنه نزه نفسه عن ذلك فيدل على قبح فيه، ونظيره قوله تعالى تبارك اسمه [لِئَلّا يَكونَ للنّاسِ عَلى اللهِ حُجّةً] في وجوب إرسال الرسل وكذا [لَوْلا أَرْسَلْتَ إِليْنا رَسُولًا] إلى غير ذلك سيما فيه دلالة واضحة على قبح التعذيب قبل الإرسال وبعد العلاج جعلنا دليل العقل بمنزلته إذْ هو مفيد للعلم الرافع للعذر. أما صورة الجهل كما هو المفروض فلا، إن قيل قد علم الحظر بأنه تصرف في ملك الغير؟ فجوابه إن المراد العلم بالخصوصات دون ما ذكر كما لا يخفى على الناظر