غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٩ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
ويتمكن من معرفته كحرمة الظلم والقتل والسب وأمثال ذلك وبطريق آخر إذ التكليف بما يستقل العقل به لطف والعقاب من دون اللطف قبيح.
والجواب إن عنيت بقولك التكليف لطف من جهة كونه دافعاً للنزاع وموجباً لاجتماع الآراء في الجملة فذلك لا يترتب عليه عدم العقاب وإن عنيت اللطف بمعنى كمال الحجة فلا نسلم إنه اللطف الذي يوجبه المتكلمون فإن الحجة في غاية الكمال وإلا فمراتب الكمال لا تحصر حتى إنه ينبغي على هذا أن يصل المكلف إلى أعلى درجات العلم في التكليف وهو ظاهر الفساد.
وبطريق آخر إن العقل دال على عدم خلو الزمان من معصوم ليعرف الناس ما يحتاجون إليه وإن أهل الفترة معذورون؟ وجوابه إن هذا لا ينفي ما قلنا فإن كثيراً من الأحكام في مثل عصرنا نثبته بدليل العقل وهذا لا ينفي عدم النقل وإذا لم يطلع مطلع على النقل يكون معاقباً من جهة العقل وعذر أهل الفترة إن سلم في الأمور التي حكم العقل بها فإنما هو بطريق العفو وهو غير ما قلنا.
الوجه الثاني: قوله تعالى [وَمَا كُنّا مُعَذِّبِين حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا] وجه الاستدلال إنه التعذيب قبل البعثة ما ذلك إلّا لعدم الأمر والنهي الصريح. والجواب:
(١) بما ذكرنا من أن المراد بالآية مطلق العلم وإن الآية مسوقة لرفع العذاب الدنيوي.
(٢) إن الآية سيقت لدفع العقاب تفضلًا وهذا لا ينفي الثواب والمدعى أعم وعدم التعذيب على مطلق الأحكام قبل البعثة لا يقتضي عدم التعذيب على ما علمناه بالنقل بعدها.
ولنا على إفساد هذه الدعوى وجوه منها إن المخالفة والموافقة صفتان مترتبتان على الإرادة بل الطاعة والمعصية أيضاً كذلك فإنا نعلم أن العبد إذا انتهب من مولاه شيء أو أكتسب له شيئاً يسمى مطيعاً وعاصياً وموافقاً ومخالفاً فهي لا تتوقف على الأمر والنهي الصريح بل على الإرادة الجازمة. فعلى هذا لو علمنا بطريق العقل إن الله كاره لهذا وفعلناه كنا عاصين ومخالفين فجميع الآيات الدالة على ذم العاصي والمخالف ومدح المطيع والموافق ناهضة على مطلوبنا واستبعادهم معارض باستبعاد آخر وهو إن الشارع قد كلف بالظنون