غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٨ - المبحث الثالث في طريق العلم به
والظن كاد أن لايخفى على أحد، وربما تمسك بعضهم بأحوال الأعوام والنساء والأطفال فإنهم لا يصلون إلى درجة القطع وهذا خلاف البديهة إذ كل من تبع ملة قطع بها لكن مستند القطع مختلف فمنه إجمالي ومنه تفصيلي، وكيف ما كان فلا يرد علينا.
وأما الأحكام الفرعية فبعضها مستفاد من دليل قاطع عقلي كالظلم والكذب والغيبة وأضرابها وإن تأكد بالشرع وبعضها بقاطع منه النقل كالمتواتر والمحفوف والإجماع المحصل وأكثرها إنما يعلم بطريق ظني قد دل عليه البرهان القطعي فعملنا في الحقيقة على ذلك البرهان ونحن قاطعون بالتكليف في كل مسألة مسألة بقياس نؤلفه نقول: هذا ما أدى إليه ظننا منه دليل كذا وكلما كان كذلك فهو حكم الله سبحانه في حقنا، فالقطع وإن يكن بالحكم الواقعي كما هو شرط في الأصول إلا أن هذا لا يصرفنا عن العمل بمطلق العلم، فلا وجه لكلام بعض المتأخرين من فقهائنا على المجتهدين بأنهم يعملون بالظنون فإنهم إن عنوا هذا فلا طعن وإن عنوا العمل به من حيث إنه ظن فقد بينا أن آرائهم على خلاف ذلك.
وأما الموضوعات فالكلام فيها في ثلاثة مواضع
الأول في مداليل الخطابات وطريق العلم بإرادة الشارع لها
اعلم أن أئمتنا صلوات الله عليهم وضعوا لنا طرقاً خاصة في الأحكام وموازين معينة فمنعوا من القياس والاستحسان والأخذ بمجرد الظنون عنه غير الأدلة المعلومة ولم يتعرضوا لشيء من ذلك بالنظر إلى فهم المراد بمخاطباتهم إذ كلامهم عربي جارٍ على قوانين اللغة وليس حال خطابهم إلا كخطابات اللغويين ومكالماتهم فمن كان منهم وعلم كيفية اصطلاحه فلا حاجة له إلى ملاحظة لغة واطلاع على مصطلح اللغويين بطريق التجسم، ومن كان من غيرهم أو لم يشاهد عصرهم فلابد له من العلم بتلك المصطلحات، ثم إذا فهم منهم بطريق الظن الأمر بكذا أوجب الائتمار أو النهي وجب الانزجار ففي هذه الظنون لسنا معتمدين عليها بل على ما علمناه من طريق الصحاح والمتابعين ومعاملة أهل الشرع لهم بهذه المعاملة بل ما عهدناه منهم صلوات الله عليهم من التمسك بظاهر السنة النبوية والآيات القرآنية والاحتجاج بها