غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٤ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
إذْ العقل حكم بوجوب ترك الجميع لوجود الخوف فيكون مبيناً فلا يلزم ما ذكرتم؟ فنقول العقل لا يرضى باعتماد الشارع على العقل في هذا مع أنه مؤدٍ إلى تفويت المنافع العظيمة واندراجها في سلك المحظور.
ولنا على عدم التحريم أيضاً إن المحظور على ذلك التقرير أما الجميع إلّا الضروري أو البعض دون البعض والأول باطل للزوم ضيق لا يرضى به العقل والثاني كذلك أيضاً لأن اختصاصه بالبعض دون البعض ترجيح باطل ودورانه مع الحاجة يكاد يستوفي الجميع فيحرم الشيء صباحاً ويحل ضحى ويختلف دائماً وهذا لايرضى به العقل.
ولنا أيضاً العلم اليقيني بأن هذه الأشياء إنما خلقت للمنافع لا للاعتبار أو الاختيار فقط وما كان منها كذلك فليس له نسبة إليها فالمحظور مغمور في جملتها فاحتمال دخوله رديء لا يعد احتمالًا عند العقلاء ودعوى إنه تصرف في مال الغير مردود بأنه كالاستظلال ولقد أحسن الأستاذ بقوله من ملك بحراً لا ينزف واتصف بغاية الجود وطلب مملوكه قطرة من ذلك الماء هل يجوز عليه أن يمنعه؟ هذه خلاصة القول في البرهان على ما فهمنا من كلام القوم.
أما العلامة رحمه الله تعالى فقد بينا أنه خص النزاع فيما لم يعلم حاله من الحسن والقبح بالضرورة وربما خصه بعضهم بما علم جهة حسنه ولم يقم فيه احتمال سوى أنه تصرف في ملك الغير ولا أرى لهذا الأخير وجهاً إذْ أمر الإباحة على هذا التقدير ظاهر لا ينبغي أن يختلف فيه اللهم إلا أن يقال لعل الشارع يقبحه لمصالح أخرى خفية وهذا خروج عن محل النزاع الذي فرضه.
أما العلامة (قدس سره) فيمكن تنزيل كلامه على ما أردنا فإن ما علم بالضرورة قبحه في أعلى درجات القبح فيعلم حضر الشارع له ومنعه منه بخلاف غيره فيوافق ما قلنا هذا كله على مذاقنا جماعة الأمامية ومن وافقنا من المعتزلة.
يترتب على ما قلنا إن الأشياء كلها مباحة شرعاً للمكلفين حتى يعلموا فيقوم الأصلي العقلي الذي أثبته القدماء وأنكره المتأخر وربما استندنا إلى وجه