غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٨ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
يعلم مما سبق آنفاً إلى أهل البيت صلوات الله عليهم ولا أدري ما الذي عنى قدس سره وما أراد إن أراد منع أصل التحسين والتقبيح فهو احتجاج بالظنون في مقابلة الوجدان والعلم اليقيني فإنا نقطع بقبح الظلم وحسن العدل والصدق وبر الأبوين وأمثال ذلك من الفروع مما لا يكاد يحصر وإن عنى به إنه وإن حكم إلّا أن حكمه لا يعتبر ولا يجدي في إثبات حكم الشرع فقد اتفقنا عليه الملازمة الظاهرة التي لايمكن إنكارها على أدلته هذه إنما تنفي جواز إتباع الظن والأخذ بالاجتهاد وهذا غير ما رمنا مع البراهين الدالة على حجية العقل من الآيات والأخبار لا تكاد تحصر واستناده إلى ما ذكرنا من اضطراب العقول قد عرفت ما فيه.
المبحث الثالث
في تحقيق التحسين والتقبيح العقليين
هل يترتب عليهما ثواب وعقاب كما في المطلوب أو النهي عنه صريحاً في الشرع أو لا؟
اعلم أن بعض المتأخرين من الفضلاء كالفاضلين المحققين ملا عبد الله صاحب الوافية والسيد صدر الدين (
) بعد أن تحققا تينك المقدمتين اللتين أسلفنا البحث عنهما أنكرا هذه المقدمة قائلين إن العقل وإن حكم بالحسن والقبح وكذا الشرع إلّا أنه لم يقم دليل على ترتب الثواب والعقاب إلّا على الأوامر والنواهي الصريحة دون الحكم الواقعي الذي دل عليه العقل واستندا في ذلك إلى وجوه:
الوجه الأول: من العقل وهو إن العقل يحكم بأنه يبعد من الله تعالى وقول بعض أحكامه إلى مجرد العقل مع شدة اختلافه على الإدراكات والأحكام من غير انضباط بنص وشرع فإنه يوجب الاختلاف أو النزاع.
والجواب إن هذا الدليل إن استقام منع من التكليف يحكم العقل في الأصول والفروع إذ الخلاف كما يتحقق في الفروع كذلك يتحقق في الأصول ثم الخلاف والنزاع لا يندفع بعدم التكليف بالعقل بل بورود الشرع وليست الدعوى إلّا أن الاستغناء عن الشرع وكذا العقل لا يدفع النزاع في الفعل، بيان ذلك إنه كما للشرع طريق لو سلكوه لسلكوا طريق النجاة فكذا للعقل طريق كذلك وأمر العصبية والعناد جارٍ فيهما. فمن ذا ترى المتشرعين يختلفون في شرائعهم ولا نعني بذلك الاستغناء عن الشرع فإن الكلام إنما هو فيما يصل إليه العقل