غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨ - المبحث الأول(في المشتق)
ذلك التصويت. ونوقش أيضاً هنا بأن الكلام عبارة عن الحروف وهي كيفيات للصوت فهي قائمة بالصوت القائم بالهواء فلا يكون قائماً بالمتكلم وكذا إن كان عبارة عن الصوت بشرط التقطيع أو الصوت مع التقطيع فكذلك فكلامكم يفسده كلامكم! وقد يعتذر بأنا لا نعني به سوى القيام عرفاً ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر.
الصورة الثانية: إن مجرد الحلول في الشيء أصل يكفي في الصدق
اعلم أن الأشاعرة لما أرادوا إثبات أن مجرد التأثير ليس علم في الصدق ليرتبوا عليه ذلك المعنى المخترع فلم يمكنهم جاءوا بطريق آخر حاصله إن مجرد الحلول كافٍ في الصدق فيلزم كون الجسم الذي أوجد الله تعالى فيه الكلام متصفاً بالتكلم فيصدق أن موسى (ع) كلّم الشجرة أو الجبل لأن ذلك الجسم متكلم معه وكلامهم هذا في غاية الفساد أيضا لأنا قد بينا أن كثيراً من المعاني قد تحل في أشياء ولا تتصف بها فإن المعاني المتجاورة حاله في المتعلق وكذا صوت الزجاجة والمزمار حال فيهما ولا يتصفان بالتصويت وكذا الصوت الحاصل في أطراف الدار حال في الهواء ولا يتصف به فقد بان أن مجرد الحلول ليس علة تامة في صدق الوصف، وينبغي أن تعلم أن مرادي بالحلول في الشيء مجرد الكون فيه من دون قيامه به والفرق بينهما ظاهر فإنا نفرق بين الماء في الإناء وبين الخضرة والصفرة القائمة فيه فالحسن والقبح والصغير والكبير تطلق على المتصف بمبدأها وإن لم يكن مؤثرا إذ الشرط أحد الأمرين أما القيام أو التأثير وأنت إذا دققت الفكرة وأحسنت النظرة وفرضت نفسك قادرا على إيجاد كلام يحل في الهواء لم تَرَ المتكلم سواك فكنت تأبى أن تسند الكلام إلى غيرك ولم تَرَ المتكلم سوى موجد الكلام فتأمل في هذا المقام فإنه من مطارح الأنظار وميادين الأفكار وفقنا الله للصواب ورفع عنا الشك والارتياب.