غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٨ - المبحث الثاني في تحسينه وتقبيحه
إذْ كل منهما حادث الأصل تأخره وهما في درجة واحدة فلا ترجيح فيرجع الأمر إلى القواعد وهو هنا شغل الذمة بالطهارة تبعاً.
الفائدة الثالثة: إن هذا الأصل وغيره فيقطع بوجود القاطع لها سوى كان في واحد بعينه أو في أمر له حصر فإذا علم وجود ما نفي دائراً بين أمرين أو ثلاثة أو ما يقاربها وجب اجتنابها وذلك عند المجتهدين مستثنى من حكم الشبهة إذْ ترك الشبهة مندوب غير لازم عندهم وكذا يستثنى من قولهم بمندوبية الاحتياط والاستثناء لمثل هذا هنا كاستثناء ما علم شغل الذمة به فإنه لا يجوز البقاء فيه على الشبهة وترك الاحتياط بل يجب الفراغ اليقيني والدليل على ذلك أمور:
الأول: إن التكاليف بمقتضى الأصل تابعة للواقع وموافقة العلم وعدم الموافقة لا دخل لها إلّا في الكشف عنه فلابد في جميع الأحكام من الإطلاع على نفس الواقع بطريق علمي أو ما يقوم مقامه من الظنون أو عدم العلم التي حكم الشرع بكفايتها عن الطرق المحصلة للعلم فالأصل عدم التعويل على شيء من الظنون وكذا عدم علم الخلاف إلّا بدليل وأقصى ما دل الشرع على مقبولية الظنون المعتبرة شرعاً وعدم العلم بالنجاسة أو الإباحة إذا لم تتحقق علم بالمرة في ثبوتهما. أما مع حصول العلم في الجملة فلا ولا أقل من حصول الشك فنرجع إلى ما ذكرنا من الأصل.
إن قلت ما دل على أصل الطهارة والإباحة من قوله (ع) (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر) (وكذا كل شيء لك حلال حتى تعلم الحرام) يدل على ما أنكرت من الدلالة؟ فالجواب إن أقصى ما يفهم من قول السيد لعبده كل ما شئت من البيت حتى تعلم أن قبة أي في الذي شئته سيما أنه مع عدم العلم بالمرة له رخصة الأكل أما مع الوجود في البيت والدوران فظاهر الرخصة ولا أقل من حصول الشك.
الثاني: إنه بعد العلم بالنجس والحرام يجب الاجتناب إذ اجتنابهما واجب فيعلمه بوجودهما وجب عليه تركهما ولا يمكن إلّا بترك الجميع فيجب الاجتناب من باب المقدمة إن قيل الأمر بالاجتناب مشروط بالعلم بحال المجتنب ومع الشك فلا أمر؟ قلنا ثبوت الأمر على وفق الأصل المستفاد من العمومات وتخصيصها بما ذكرت غير معلوم لما مر.