غاية المأمول - كاشف الغطاء، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٨ - المبحث الثاني في الخطاب وفيه مطالب
والحاصل الوجوب الشرعي إن أريد به ما يتبع العقلي وهو كون الشيء لابد منه لغيره فلا كلام فيه وإلا لجاز تصريح الشارع بالإباحة وإن أريد الوجوب الخطابي فبينه وبين الإباحة واسطة وإن أريد المحصل من ذلك الأمر فبينه وبينها وسائط كما لايخفى عليك، فعدم الملازمة بين الأمرين ظاهر وبهذا يندفع الإشكال المورد على القول بعدم وجوب المقدمة والله أعلم.
الوجه الرابع في الحجج: إن الشارع لو لم يوجبها لزم تقض الغرض المطلوب من التكليف
بيانه إن مصلحة الأمر إقدام المكلف على الفعل فإذا لم يحتم عليه المقدمة أمكنه تركها تهاوناً فيمتنع الفعل وتذهب فائدة التكليف والغرض المطلوب منه بخلاف ما إذا أمر بالمقدمة فإنه يأتي بها ثم يأتي بالفعل وتنسد أبواب إبليس وتسويلاته عنه. أقول عليه إن العذر الشرعي قد ارتفع عنه يقيناً حيث تعلق الأمر بالموقوف عليه فيلزم الإتيان به باعتبار ذلك الأمر وإن يفعلوا به أمر وأمر الفضل في التقريب من الطاعة لاينحد بحد إذ كل ما زيد في الحث صار الفعل أقرب إلى الحصول فيلزم ورود أوامر سماوية في كل يوم مرات غير محصورة على القول بلزوم التقريب بأنواعه، كما يظهر من الدعوى لاشتراك الكل في التقريب وعدم الدليل والخصوصية ولو قارنت رجحاناً غير بينة الترجيح والمقدار الذي توقف التكليف عليه قد حصل فتبقى الدعوى دليلها مجرد الاستحسان والأولوية به.
ثم على ذلك التقدير ورود الخطاب الخارجي كافٍ فلو أمر بأمر مستقل الأجزاء ولحصل المراد التقريب المراد فلا يدل على المطلوب وعلى هذا التقدير فلا يتبين إن الاقتضاء لحق الدلالة أو للاستدعاء ولعل المراد هو الأول على نحو ما مر مع إنه يستظهر لك عن قريب بحول الله إن تحريم المقدمة أيضاً غير منافٍ.
والحاصل الحكم بعد اللابدية ناقض ونحن نقول به فلم يبقَ شيء والوجوب الآخر غير ملزوم لعدم النقض إذ يحصل بغيره بل كاد أن لا يكون بينهما فرق مع علم المأمور بالوجوب الغيري غير القليل والله الخبير.