محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٢ - الخطبة الاولى
الجبال، اشمخ من القمم حين تنقاد النفس لقضاء العقل، وحين تنقاد النفس لإرشاد الضمير، وحين تسلك النفس طريق الله، والنفس التي تسلك طريق الله ليست إلا المترفعة، ليست إلا النفس المرباة، ليست إلا النفس التي ربيت على التقوى، ربيت على الهدى، ربيت على الخير، ربيت على الصلاح، ربيت على مماشاة الحكم الشرعي والصبر عليه.
أيها الأخوة المؤمنون: لقد أوصى الإسلام بتربية النفس وبمجاهدة النفس بما لم يوصي من مجاهدة الغير، ذلك ليس استسهالًا بمواجهة الغير، لا من حيث القيمة، ولا من حيث ما يتطلب الموقف من صمود وشموخ ورجولة، وإنما ربما كان السر في ذلك هو أن من نجح في معركته مع النفس نجح في كل معركة أخرى، وأن النجاح في بعض المعارك خارج النفس لا يضمن لنا النجاح في المعركة مع النفس صحيح إن نجاحك في موقف من المواقف أمام شهوة الجنس، أمام أغراء المال، أمام إغراء المنصب، أمام الرهب، أمام الرغب، يعطي صموداً لك في معركتك مع النفس ويجعلك تقف موقفاً ناجحاً في خوض المعركة مع النفس، وما من نجاح في معركة خارجية إلا وراءه نجاح في معركة الإنسان مع النفس، أنا لا أستطيع أن أقف موقف مخلصاً لله سبحانه وتعالى في أي معركة من المعارك حتى انتصر على النفس، وأما المواقف التي ترى كبيرة وترى عظيمة وترى فيها الصمود وترى فيها الرجولة من غير ما يكون وراءها إخلاص ومن دون أن يكون وراءها نفس راقية نقية، فهذه على النفس وليس للنفس، وهذه إنما تمثل في الحق هزيمة للنفس، لا انتصاراً لنفس ولا انتصار على النفس،* وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ*.
ليس عليك إلا أن تضع خطوتك على الطريق، وأن تعزم العزم الأكيد الراسخ، على أن تخوض معركة جادة مع النفس وأن تبدأ هذه المعركة عملياً، حينئذً يتولى الله أمرك،