محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٨
وهذه بصائر:
أولًا: القرآن كتاب الله المعبأ بذكره، والإلفات لعظمته وجبروته، ولطفه ورحمته، وذاته العليا، واسمائه الحسنى حتى تبهت كل صورة لعظمة المخلوقين، وتندك هيبة كل العبيد، وتتوارى أمام ذكر الله المتعال كل الذوات المصنوعة، تنسحب من المواجهة لتكون نسياً منسيّاً، أولا شيء هو كائن.
القرآن ذكرٌ ومذّكر بالحقائق الكبرى، وأولها توحيد الله وكماله وربوبيته المتفردة، وعبودية من سواه، وما سواه، ووهنه وفقره وحاجته، وحدوثه، وهو يثير الذكر ويحييه، ويعطي الحقائق الأم حضوراً دائماً في العقل والنفس، ويأخذ بالإنسان بعيداً عن الغفلة والسهو، والخطأ في التقدير، والخطل في التقييم.
وحضارة القرآن والسنة بعيدة كل البعد عن التجهيل والإستغفال، والمغالطة في الفكر والشعور ومن أول مهماتها أن يعي الإنسان ... يستيقظ .. يكون نابهاً .. يعرف الحقائق .. يتوفر على الدقة البالغة ما أمكن في التمييز بين أوزانها وأحجامها .. يعطي لكل شيء حقه .. يضعه في موضعه، وأن لاينسى .. لا يغفل .. لا يُستغفل .. لا يُغرر به .. لا يتخلى عن عقله لحظة ... ولا عن مرتكزات فطرته .. لا يخدعه قول ولا فعل ولا ظرف.
أما حضارة المادة فأساسها أن تُغيِّب منك عنك روحك .. أن تطمس معالم القسم الأهم من فطرتك المقوّم لإنسانيتك .. تطارد فيك وعيك لربك لذاتك لمصلحتك .. تعطل فيك شعورك بقيمة معناك .. تنتهب منك اعتزازك بذاتك العليا ... تشدّك إلى أسفليك .. تنسيك حق خالقك و عظمته وجماله وجلاله .. تغلق على تفكيرك وشعورك قفص الزمن الخانق فلا يمتدّ منك للمستقبل عقل ولا شعور ... فلا يمتد للمستقبل .. تقوقعك في حاجات البهيمة، وتجعلك تركض وراءها بكل ذاتك، وتعطيها كل حياتك، وتقدّم لمالكي مفاتحها نهباً وغصباً، وجوراً وقهراً كل وجودك .. تستخف فيك وزنك حتى لا تزيد على آلة في