محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٣٧ - الخطبة الأولى
أولًا: ماذا تفعل المعصية وماذا تفعل التوبة؟
( (وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى)) ١٢١ طه/ آدم لم ينحدر عن طريق العصمة، آدم فيما يذهب إليه عدد كبير من المفسرين خالف أمراً إرشادياً، ولم يخالف أمراً مولويا، الأب بالنسبة للولد له أمران مرة يصدر أمره له على مستوى النصيحة وبيان ما فيه تجنب المضرة، ومرة يصدر أمره له من باب المولوية والسيادة الشرعية عليه، في حدود ما يكون له من سيادةٍ شرعية عليه عندما يكون تحت ولايته.
الأمر الأول الذي لا يصدر من موقع المولوية ومن حق الله أن يأمر ومن حق الله أن ينهى، ومن حق الله أن يطاع، الأمر الأول الذي صدر من باب النصيحة فقط، وبيان وجه المصلحة في المأمور به يسمى أمراً إرشادياً، والولد عندما يقول له أبوه إن في أكلك الأكلة الفلانية مضرةً ما، فإن مخالفة الولد لهذا الأمر تسمى مخالفةً لأمر إرشادي، لم يمارس الأب هنا ولايته ولا سيادته من خلال هذا الأمر على ابنه، إنما موقفه منه كموقف أي واحد آخر في نصيحته وليس كل من نصح وجب شرعاً اتباع نصيحته، شأن الأب هنا شأن الطبيب عندما ينصحك بتجنب الأكلة الفلانية أو بأنه ينبغي لك أن تتناول الدواء الفلاني، مخالفتك لأمر الطبيب أو نهيه هنا لا يسجل عليك مخالفة في باب الطاعة، ولا تكون هنا منك معصية لأمر مولوي أو نهي مولوي إنما أنت خالفت مصلحتك التي أرشد الطبيب إلى أن هذه المصلحة لا تتوفر لك إلا بتناول الدواء الفلاني، ولا تستطيع تجنب هذه المضرة الدنيوية إلا بتجنبك الأكلة الفلانية، هنا سيحصل لك بمخالفة الطبيب، بمخالفة أبيك، بمخالفة الله سبحانه وتعالى، مضرة دنيوية لا تعد خروجاً على طاعة الله سبحانه وتعالى ولا تسجل بها في العاصين وإن كنت تتلقى بها درساً عملياً في الحياة يثبت لك أنك حينما خالفت أمر الله الإرشادي أوقعت نفسك في مفسدة دنيوية، أي في مضرة دنيوية ...