محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٣ - الخطبة الأولى
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) ١٢٨ البقرة.
وباختصار شديد ... الهدف الكبير لإبراهيم عليه السلام من خطوته التي رأها الله سبحانه وتعالى خطوةً قريبةً مباركةً تستحق التخليد، إبراهيم عليه السلام يخطط لحضارة الإيمان، للحضارة الإلهية في الأرض، ولو كان عمل إبراهيم عليه السلام يقوم على بذل الدم والجهد ويقوم على بذل الأهل ولم يؤسس لحضارة الإيمان، وإنما لحضارة أخرى ما كان هذا العمل عند الله سبحانه وتعالى بمقدار جناح بعوضة، بل يكون شيئاً كبيراً من الباطل ويكون إدانةً لإبراهيم عليه السلام، ويكون بذلك إبراهيم عليه السلام وإن أعطى مردوداتٍ اقتصادية واجتماعية وثقافيةً إيجابيةً بمقدار إلا أن هذا العمل مما يقوده إلى النار لو كان يريد تأسيس حضارةً غير حضارة الإيمان والإسلام.
( (رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ..)) البقرة (١٢٨) الإسلام الخالص، الإسلام على مستوى الفكر وعلى مستوى القلب وعلى مستوى الروح، وعلى مستوى الفعل وعلى مستوى القول، الإسلام التوحيدي بكل معاني التوحيد، هو هذا الهدف، الهدف: هو صناعة الإنسان المسلم صناعة الإيمان في داخل الإنسان، هدف الأمة الإسلامية الكبرى التي بدأت مع آدم عليه السلام هو صناعة هذا الإنسان المتعلق بالله الواثق به الصاعد إليه، هذا الحس الكبير هذه الحاجة الملّحة في نفس إبراهيم، هذا المطلب الأول الضخم في تقدير إبراهيم عليه السلام- النبي العظيم- هل حين يطلبه يقتصر فيه على نفسه؟ .. لا إن نفس إبراهيم لغنيةُ بالشعور والحس التاريخي المستقبلي على خط الإيمان، إنه يفكر في الغد، يفكر في الجيل، يفكر في الأجيال المتلاحقة، في الأمة ومستقبلها، في الإنسانية بأكملها في الخط التاريخي على طول امتداده. ماذا يقصد إبراهيم عليه السلام، حين يسأل لنفسه وولده أن يجعلهما الله مسلمين، الإسلام الذي يرقى بالإنسان، الإسلام الذي يجعل الإنسان فوق مستوى الملائكة، ويضيف ( (وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ))، وهو يجد نفسه أنه