قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٤٩ - الفصل العاشر
اثني عشر جزءا من ساعة عرف زوالها علماء المؤذنين و أصحاب مراعاة الأوقات فإذا زالت ثلاث شعيرات فهو الزوال السابع، و هو ربع ساعة عرف الناس كلهم زوالها، و عند هذا الوقت صلاة الكافة و هو أوسط الوقت و أوسعه، و ذلك واسع برخصة الله سبحانه و تعالى و رحمته، و هذا كله لبعد منصب السماء و لاستواء تقويم صنعتها في الأفق الأعلى و لإتقان صنعتها في الجو المتخرق علوا و في الأقطار المتسعة المستديرة استواء و متناسبا. و قد يروى في الخبر أن النبي صلّى الله عليه و سلّم سأل جبريل عليه السلام فقال: هل زالت الشمس؟ فقال: لا نعم. فقال: كيف هذا فقال بين قولي لك لا نعم قطعت في الفلك خمسين ألف فرسخ فكان النبي صلّى الله عليه و سلّم سأله عن زوالها على علم الله سبحانه و تعالى به. و قد قال بعض الفلاسفة إن السماء تدور كما تدور الرحى فتدير الأفلاك بدورانها على القطب و لكن لا يرى ذلك منها لبعدها و علوها و تقويم استدارتها. و قد ذكره بعض العلماء من السلف فتبارك الله أحسن الخالقين و ذكر بعض العارفين أعجب من هذا و ألطف من قدرة الله عزّ و جلّ و خفي صنعه ذكر أن الليل و النهار أربعة و عشرون ساعة و إن الساعة اثنتا عشرة دقيقة كل دقيقة اثنتا عشرة شعيرة و كل شعيرة أربعة و عشرون نفسا فتظهر الأنفاس من خزانة الجسم فتنشئ الشعائر و تنشأ الشعائر فتظهر الدقائق فتنتج الساعات و تتحرك الساعات فتدير الأفلاك و تدور الأفلاك فتنشر الليل و النهار في الجو و الأقطار و ينشر الليل و النهار فتدير السماء في الآفاق و ينعقد الحسبان بالتفصيل فإذا خفي الإحساس انقطعت الأنفاس فانفكت الأفلاك فعندها تنتشر النجوم و تنشق السماء و تخرب الديار و تظهر دار القرار فسبحان الله ألطف الصانعين و أقهر القادرين و قد قال سبحانه و تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير: ١- ٢]. و قال سبحانه و تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً [الطور: ٩]. يعني تدور دورا فسبحان اللطيف الحكيم أدار تلك الأفلاك الكثاف بهذه الأنفاس اللطاف كما حجب الفلك الكثيف بستر الفضاء اللطيف، فالفلك العظيم لا يحجب السماء و الفضاء الرقيق يحجب الفلك، لأنه أراد سبحانه و تعالى أن يرينا السماء و أحب أن يخفي عنا الفلك فلم نر إلا ما أرانا. فالعبد هو سبب لذلك و محرك لذلك و لا يشعر بذلك فمداره أنفاسه و أنفاسه ساعاته و ساعاته عمره و عمره أجله و أجله آخرته و هو في غفلة بدنياه و في لعب بما يهواه، فإن نظرت إلى السماء رأيتها تنشئ الأنفاس و إن نظرت إلى الأنفاس، رأيتها تدير الأفلاك، و إن نظرت إلى فوق الفوق عميت عما سواه، فلا إله إلا هو رب العرش العظيم صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: ٨٨] إن ربي لطيف لما يشاء. سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ [فصلت: ٥٣]، وَ في الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ